سكة حديد الحجاز الجديدة: رسالة تحدٍّ تركية – سعودية إلى إسرائيل!

كتبت Marie de La Roche Saint-André لـ”Ici Beyrouth“:
أطلقت تركيا والمملكة العربية السعودية، في مطلع حزيران، مشروعًا استراتيجيًّا للسكك الحديدية العابرة للحدود، يهدف إلى ربط البلدين مرورًا بالأردن وسوريا، تمهيدًا لإنشاء ممر تجاري يصل شبه الجزيرة العربية بأوروبا.
ويُقدَّم المشروع باعتباره إحياءً حديثًا لسكة حديد الحجاز، التي امتدت تاريخيًّا من دمشق إلى المدينة المنورة بعد إنشائها على يد الدولة العثمانية عام 1908. كما يأتي في إطار مسعى لتأمين بديل لطرق الملاحة البحرية التي تمر عبر مضيق هرمز.
ولكن، خلافًا للمسار التاريخي الذي ضم خطًّا فرعيًّا عبر فلسطين، يتجنب المسار الجديد إسرائيل بالكامل. ووفقًا لخريطة نشرتها وكالة الأنباء التركية “الأناضول” في الثالث من حزيران، سيربط المخطط النهائي السعودية بسلطنة عُمان وصولًا إلى ميناء صحار، من دون المرور عبر الإمارات العربية المتحدة.
وفي حال اكتمال هذا الممر، فقد يضعف مشروع الممر الاقتصادي الإسرائيلي الهند – الشرق الأوسط – أوروبا (IMEC)، كما قد ينافس الدور الإماراتي في قطاع النقل والخدمات اللوجستية الإقليمية.
مشروع بطموح إقليمي
أُعلن عن المشروع بعد توقيع تركيا والسعودية، في التاسع من حزيران في الرياض، مذكرات تفاهم لتعزيز التعاون في مجالات السكك الحديدية، والنقل، والتكنولوجيا.
وفي مقابلة مع قناة “العربية” في العاشر من حزيران، قال وزير النقل والبنية التحتية التركي عبد القادر أورال أوغلو إنه من المتوقع إنجاز المشروع خلال ثلاث سنوات. وأوضح أن السعودية مدّت شبكتها الحديدية حتى الحدود الأردنية، فيما وصلت الشبكة التركية إلى الحدود السورية.
وأضاف: “المقاطع الوحيدة المتبقية هي تلك الموجودة في سوريا والأردن. وهذا تحديدًا ما نعمل عليه اليوم: دراسة التفاصيل، وتحديد ما يمكن تحقيقه من خلال التعاون، لاستكمال هذا الربط بين أربع دول. وقد يمتد هذا المسار في نهاية المطاف إلى القارة الأوروبية بكاملها”.
لا يهدف المشروع إلى تعزيز الربط بين الأسواق الإقليمية وتسهيل التجارة فحسب، بل يسعى أيضًا إلى تحويل السعودية وتركيا إلى محور لوجستي عالمي يربط أوروبا وآسيا وأفريقيا.
كما ينسجم المشروع مع رؤية “السعودية 2030″، ولا سيما عبر إدماج مدينة نيوم ضمن مساره. وبمروره عبر مكة والمدينة، قد يساهم أيضًا في تسهيل نقل الحجاج. غير أن التحدي الأكبر يبقى في تأمين التمويل اللازم.
وفي مقابلة مع صحيفة “الشرق الأوسط” في الثاني والعشرين من حزيران، أوضح أورال أوغلو أن تركيا تعمل على استكمال الدراسات الفنية المتعلقة بالتكاليف، وحجم الاستثمارات، وآليات التمويل، قبل نهاية العام، بهدف تقديم مشروع متكامل. ويشمل ذلك إعادة تأهيل نحو 400 كيلومتر من البنية التحتية الخاصة بالسكك الحديدية في الأردن وسوريا. وكانت تركيا وسوريا والأردن قد وقّعت، في نيسان، اتفاقًا ثلاثيًّا لتطوير شبكات السكك الحديدية.
ممر أكثر أمانًا
وعلى الرغم من أن النقل البحري يبقى، بصورة عامة، أقل كلفة من النقل بالسكك الحديدية بالنسبة إلى البضائع الثقيلة وكبيرة الحجم، يرى مؤيدو المشروع أن الخط الحديدي الجديد يمتلك أفضلية أمنية مهمة تتمثل في تقليص الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة، ولا سيما مضيق هرمز والبحر الأحمر، الذي شهد اضطرابات متكررة خلال السنوات الماضية بفعل هجمات الحوثيين. وفي هذا الإطار، يبرز ميناء صحار العُماني خيارًا استراتيجيًّا، إذ يقع مباشرة على بحر العرب، ما يتيح تجنب المرور عبر مضيق هرمز، بخلاف ميناء جبل علي في دولة الإمارات العربية المتحدة.
وقال أورال أوغلو لصحيفة الشرق الأوسط: “أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة أنظمة النقل. رأينا ذلك خلال الجائحة، وأثناء النزاعات الإقليمية، ومؤخرًا مع التوتّرات في الخليج وحول مضيق هرمز. ومن هذا المنطلق، تطور تركيا منذ سنوات مشاريع كبرى لتعزيز الترابط الدولي”.
وأشار إلى أن الخط الجديد سيشكل وسيلة أسرع وأكثر أمانًا واستدامة لنقل البضائع من الخليج إلى أوروبا، موضحًا أن قيمته الأساسية تكمن في ربط المنطقة مباشرة بشبكة السكك الحديدية الأوروبية عبر تركيا.
وأكد الوزير التركي أن أوروبا ستستفيد من هذا الرابط التجاري واللوجستي الجديد مع الخليج، ولا سيما في قطاعات الطاقة، والبتروكيميائيات، والمنتجات الصناعية.
وبحسب أورال أوغلو، تجري أيضًا مباحثات حول تمديدات محتملة للخط نحو دول خليجية أخرى، من بينها قطر، والإمارات العربية المتحدة، والكويت.
تقليص النفوذ الإسرائيلي في الشرق الأوسط
اعتُبر الإعلان عن المشروع، خصوصًا في الصحافة الإسرائيلية، خطوة قد تسهم في الحد من النفوذ الإسرائيلي في المنطقة، إذ يأتي في مواجهة مشروع الممر الاقتصادي الهند – الشرق الأوسط – أوروبا (IMEC)، الذي تراهن عليه إسرائيل. فتنفيذ هذا الممر يتطلب عبور الأراضي السعودية، قبل أن يمتد إلى الأردن، ثم إسرائيل، وصولًا إلى أوروبا.
غير أن مشروع (IMEC) يراوح مكانه في ظل غياب تطبيع العلاقات بين إسرائيل والمملكة العربية السعودية. فعلى الرغم من الضغوط الأميركية، ترفض الرياض إقامة علاقات رسمية مع تل أبيب قبل التوصل إلى إنشاء دولة فلسطينية. كما لم تساهم الحرب في غزة، ثم التصعيد بين إسرائيل وإيران، في دفع المشروع قدمًا.
ويشكل هذا التعثر فرصة استراتيجية لتركيا، التي غابت عن مسار الممر الإسرائيلي. وخلال قمة الاقتصاد الحضري، التي نظمتها وكالة الأناضول في غازي عنتاب، بحضور وزير الاقتصاد والصناعة السوري محمد نضال الشعار، رحّب وزير التجارة التركي عمر بولات بمشروع السكك الحديدية الجديد.
وقال بولات: “سيجلب تقليص نفوذ إسرائيل في المنطقة، إلى جانب تعزيز التضامن السياسي والاقتصادي بيننا، الازدهار الاقتصادي، والسلام، والاستقرار إلى الشرق الأوسط، والخليج، وحدود تركيا الجنوبية”.
يبقى السؤال: ما إذا كانت الطموحات السياسية التي تعلنها أنقرة والرياض ستتحول إلى إنجازات ملموسة على أرض الواقع. فبين التحديات الأمنية في سوريا، وكلفة إعادة تأهيل البنى التحتية للسكك الحديدية، وحالة الغموض التي تكتنف تمويل المشروع، لا تزال عقبات جوهرية قائمة. ومع ذلك، قد يساهم هذا الممر، في حال تنفيذه، في إعادة رسم مسارات التجارة بين الخليج وأوروبا على المدى الطويل، مع ما قد يترتب عليه من إعادة تموضع في موازين النفوذ الإقليمي، بما في ذلك تراجع الدور الإسرائيلي.




