الملف النوويّ الإيرانيّ: هل يحقّق الاتفاق الجديد استقرارًا إقليميًّا؟

ترجمة هنا لبنان 15 حزيران, 2026

كتب Fred Khair لـ”Ici Beyrouth“:

ينصبّ الاهتمام الدوليّ منذ أيّام على احتمال التوصّل إلى اتّفاق بين الولايات المتحدة وإيران، من شأنه إعادة تشكيل التوازنات الإقليميّة والدوليّة. ووفق بعض الفرضيّات المتداولة في الأوساط الدبلوماسيّة، قد يشمل هذا الاتّفاق وقفًا لإطلاق النار بآثار واسعة تمتدّ لنحو ستّين يومًا، وإعادة فتح آمن لمضيق هرمز، وترتيبات أمنيّة إقليميّة قد تطال لبنان، فضلًا عن استئناف مفاوضات معمّقة بشأن برنامج إيران لتخصيب اليورانيوم.

شبح العودة إلى خطّة العمل الشاملة المشتركة

يحذّر البعض من احتمال العودة إلى مقاربة مشابهة لتلك الّتي قامت عليها خطّة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، أي الاتّفاق النوويّ مع إيران الموقَّع في تمّوز 2015، في عهد الرئيس باراك أوباما.

وقد جمع هذا الاتّفاق إيران بالدول الخمس دائمة العضويّة في مجلس الأمن الدوليّ (الولايات المتحدة، وفرنسا، والمملكة المتحدة، والصين، وروسيا)، إضافة إلى ألمانيا والاتّحاد الأوروبيّ. وهدف إلى تقييد قدرات إيران على تخصيب اليورانيوم، وإرساء نظام تفتيش دوليّ معزّز، مقابل رفع العقوبات الاقتصاديّة بشكل تدريجيّ.

غير أنّه سرعان ما ظهرت هشاشة هذا التوازن. ففي عام 2018، وخلال ولايته الأولى، انسحب دونالد ترامب من الاتّفاق، معتبرًا أنّه لا ينسجم مع المصالح الأميركيّة، ولا مع متطلّبات الأمن الإقليميّ. وقد عكس هذا القرار انتقادًا بات مركزيًّا، مفاده أنّ الاتّفاق انحصر في الملف النوويّ من دون أن يطال بقيّة أبعاد القوّة الإيرانيّة.

اتّفاق يواجه الإشكاليّات عينها

حتّى مجرّد احتمال العودة إلى صيغة مشابهة يثير اليوم جملة من الهواجس، ولأسباب متعدّدة.

فمؤيّدو اتّفاق جديد مماثل يعتبرون أنّه قد يحدّ من مخاطر التّصعيد العسكريّ، ويحول دون تسارع البرنامج النوويّ الإيرانيّ، كما قد يعيد تفعيل آليّات الرقابة الدوليّة، ويسهم في احتواء الأزمة المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز.

في المقابل، يرى منتقدوه أنّ الاتّفاق السابق لم يتناول البرنامج الصاروخيّ الإيرانيّ، ولم يعالج مسألة نفوذ طهران الإقليميّ فعليًّا.

وعليه، قد يؤمّن رفع العقوبات، من دون إعادة تعريف الإطار الأمنيّ الإقليميّ بشكل أوسع، موارد اقتصاديّة إضافيّة للنظام الإيرانيّ، ويتيح له الخروج تدريجيًّا من عزلته الدبلوماسيّة، واستعادة توظيف أدواته التوسّعيّة في محيطه الإقليميّ.

وبالنسبة إلى بعض دول المنطقة، لا تقتصر المسألة على البعد النوويّ فحسب، بل تمتدّ إلى طبيعة التوازنات السياسيّة والأمنيّة في الشرق الأوسط.

العامل الحاسم: مضيق هرمز

إلى جانب الملف النوويّ، أعادت الأزمة الأخيرة إبراز عامل قوّة آخر، وهو مضيق هرمز.

يُمثّل هذا الممر البحريّ أحد أكثر النقاط حساسيّة في الاقتصاد العالميّ، إذ تعبره يوميًّا حصّة كبيرة من صادرات الطاقة في منطقة الخليج. وينعكس فورًا أيّ تهديد لاستقراره على حركة التجارة الدوليّة، وعلى الأسواق الطاقويّة، وكذلك على أسعار النفط والغاز العالميّة.

تشير هذه المعطيات إلى هشاشة بنيويّة عميقة، قوامها استمرار اعتماد الاقتصادات العالميّة على عدد محدود من نقاط العبور الاستراتيجيّة الخاضعة لسيطرة دول مثل إيران. وتسهم طبيعتها السلطويّة، وتهديداتها المتكرّرة تجاه جيرانها، من دول الخليج إلى المشرق، وصولًا إلى الغرب على نطاق أوسع، في تعميق المخاوف المرتبطة بأمن التبادلات العالميّة.

وتؤكّد هذه الوقائع في الوقت عينه الحاجة الملحّة إلى تسريع تطوير بدائل طاقويّة ولوجستيّة.

نحو هندسة إقليميّة جديدة؟

يبرز من بين المقاربات المطروحة تطوير الممرّات البرّيّة، وتعزيز شبكات السكك الحديديّة الإقليميّة، وتوسيع منظومات أنابيب النفط والغاز عبر شبه الجزيرة العربيّة، بما يتيح وصلًا مباشرًا بالمتوسّط والأسواق الدوليّة.

غير أنّ هذا النقاش يتجاوز البعد الطاقويّ الضيّق.

فهو يفتح على سؤال أوسع يتعلّق بإعادة صياغة التوازنات الإقليميّة في مواجهة سياسة إيرانيّة قائمة على المواجهة، وتوسيع النفوذ، وإنتاج عدم الاستقرار.

وفي هذا الإطار، يطرح بناء فضاء إقليميّ أكثر اندماجًا اقتصاديًّا واستراتيجيًّا نفسه كبديل محتمل عن منطق الانقسام والانسداد.

وقد تستعيد ديناميّة اتّفاقات أبراهام، الّتي تراجع زخمها بشكل ملحوظ اليوم، لا سيّما عقب حرب غزّة، أهمّيّة استراتيجيّة متجدّدة، من خلال تعزيز اندماج اقتصاديّ أوسع، وتوسيع التعاون الإقليميّ، وإرساء توازن جديد يقوم على الترابط المتبادل بدلًا من منطق المواجهة.

المسألة الجوهريّة: سلام إقليميّ أم إعادة ترسيخ توازن قوى؟

يتجاوز الرهان المركزيّ، في نهاية المطاف، مسألة التوصّل إلى اتّفاق تقنيّ محض حول الملف النوويّ.

وسوف يبيّن المستقبل ما إذا كان الاتّفاق المطروح اليوم يشكّل مجرّد تهدئة تكتيكيّة ظرفيّة، أم مدخلًا إلى تحوّل أعمق في بنية الشرق الأوسط.

غير أنّ حقيقة واحدة تبدو شبه محسومة: إلى جانب الملف النوويّ، ترسم اليوم طرق الطاقة، والتوازنات الجيوسياسيّة، وهياكل الأمن الإقليميّ ملامح استقرار الغد.

لبنان أمام خياراته الاستراتيجيّة الخاصّة

من جهة أخرى، لن تغيّر آمال حزب الله وحلفائه في أن تصبّ التحوّلات الإقليميّة في مصلحتهم في لبنان، بأيّ حال من الأحوال، المسار الّذي حدّده الرئيس جوزاف عون والحكومة برئاسة نواف سلام، القاضي بالدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية الولايات المتحدة، ولا التوجّه المعلن نحو مواصلة مسار نزع سلاح حزب الله وترسيخ مبدأ حصريّة السلاح بيد الدولة اللبنانيّة. ويحظى هذا المسار بدعم الإدارة الأميركيّة المتواصل، وبدعم السفير الأميركيّ في لبنان ميشال عيسى، الّذي يُعتبر واحدًا من الفاعلين الأساسيّين في هذه الديناميّة.

وقد أُعيد تأكيد هذا التوجّه خلال المقابلة الّتي أجراها عون مع الصحافيّة كريستيان أمانبور على شبكة CNN، حيث جدّد التزامه بالمضيّ في هذا المسار، مشدّدًا على أنّ لبنان بات يتفاوض على مصيره بنفسه.

كما تجسّدت هذه الديناميّة في الاجتماع المنعقد قبل أيّام برئاسته، بحضور قائد الجيش العماد رودولف هيكل والسفير سيمون كرم، مع الوفد العسكريّ المكلّف بالمفاوضات الجارية برعاية أميركيّة مع الجانب الإسرائيليّ، لبحث بعض الملفّات، من بينها دخول “المناطق التجريبيّة” حيّز التنفيذ.

لن يؤدّي إضعاف موقع الدولة اللبنانيّة سوى إلى تعزيز منطق الميليشيات، وتكريس هيمنة حزب الله على لبنان، وتمديد ديناميّات عدم الاستقرار الّتي تصدّرها إيران إلى المنطقة. ولا يمكن اعتبار مثل هذا السيناريو، بأيّ حال من الأحوال، قابلًا للتصوّر.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us