لبنان أمام ما يتضمّنه الاتفاق الأميركيّ – الإيرانيّ!

ترجمة هنا لبنان 16 حزيران, 2026

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth”:

من بين الأسئلة الكثيرة التي يُثيرها الاتفاق المُعلن بين واشنطن وطهران، يبرز سؤال يعود مُجدّدًا إلى الواجهة، وكما في كل مرّة، من بوّابة لبنان: هل فعلًا يعني هذا التفاهم لبنان، وهل يمكن أن يفتح الباب أمام نهاية الأعمال العدائية بشكل دائم؟

على الورق، يبدو الردّ إيجابيًّا. فبحسب الإعلانات الصادرة عن السلطات الإيرانية، ينصّ إطار الاتفاق المُبرم بين الولايات المتحدة وإيران على وقف العمليات العسكرية على مختلف الجبهات الإقليميّة، بما في ذلك لبنان. غير أنّ النصّ، الذي يحتاج إلى توقيع رسميّ وترجمة إلى آليّات تنفيذية، يفتح مرحلةً تمتدّ على فترة ستين يومًا من المفاوضات لمعالجة الملفّات الأكثر حساسية، وفي مقدّمتها الملف النوويّ الإيرانيّ ورفع العقوبات.

وعلى الرغم من اعتبار هذا الإعلان تتويجًا لأشهر من المفاوضات غير المباشرة التي سهّلتها باكستان بشكل أساسيّ، بدعم من قطر والسعودية وتركيا، فهو لم يُبدّد الغموض الذي يحيط ببعض الملفّات، لا سيّما ما يتعلق بلبنان. ويزداد هذا الغموض مع تحديد موعد جولة خامسة من المفاوضات بين بيروت وتل أبيب في واشنطن يومَي الثالث والعشرين والرابع والعشرين من شهر حزيران، على أن تسبقها محادثات ذات طابع أمنيّ في الثاني والعشرين منه.

لبنان مشمول في الرؤية الإيرانية، ومستثنى في المقاربة الإسرائيلية

تُصرّ طهران على أنّ لبنان هو جزء من التسوية المطروحة، وهو موقف ليس بجديد. فحتى قبل الإعلان عن الاتفاق، أكّد النائب في حزب الله حسن فضل الله أنّ إيران ترفض أيّ تسوية مع واشنطن لا تتضمّن وقف العمليات الإسرائيلية في لبنان.

وقد جدّدت السلطات الإيرانية هذا الموقف في التصريحات المرافقة للإعلان عن التفاهم مع واشنطن، مقدّمةً لبنان كإحدى الجبهات التي يُفترض أن تشملها عملية خفض التصعيد الإقليميّ.

في المقابل، تتخذ إسرائيل موقفًا معاكسًا تمامًا. فقد أبلغ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الرئيس دونالد ترامب بأنّ حكومته لا تعتبر نفسها ملزمةً بأي بنود تتعلق بلبنان. ووفق المسؤولين الإسرائيليين، تحتفظ إسرائيل بحقّها الكامل في التحرّك ضدّ حزب الله، مع الإبقاء على مواقعها العسكرية الحالية، ومواصلة عملياتها كلّما اقتضت اعتبارات الأمن القوميّ ذلك.

وأكّد وزير الدفاع الإسرائيليّ يسرائيل كاتس أنّ الجيش الإسرائيليّ سيبقى في المناطق التي يُسيطر عليها في لبنان طالما اقتضت الحاجة، فيما شدّد وزير الأمن القوميّ إيتمار بن غفير على أنّ “الاتفاق غير ملزم لنا”، في حين رفض وزير الدفاع السابق بيني غانتس أيّ تقييد لحرية العمل العسكريّ الإسرائيليّ في لبنان.

ويكشف هذا التباين عن مفارقة بنيوية في صلب الاتفاق؛ فبينما تتعامل معه إيران كإطار يشمل لبنان، تنظر إليه إسرائيل كمسار منفصل يخضع بالكامل لمقتضياتها الأمنية.

هل سيصمد الاتفاق؟

يصبح هذا السؤال اليوم محوريًّا، لا سيّما أنّ هذه الحرب ليست حربًا بين الولايات المتحدة وإيران فحسب، بل هي أيضًا، وقبل كل شيء، حرب إسرائيل ضدّ حزب الله. ومن جهة أخرى، وعلى الرغم من وجود إطار أميركيّ – إيرانيّ في الوقت الراهن، يبقى تطبيقه مرهونًا إلى حدٍّ كبيرٍ بفاعلين أساسيين لم يشاركا مباشرة في التفاوض، وهما إسرائيل وحزب الله.

على الأرض، لم تُسجَّل في الساعات الأولى التي تلت الإعلان عن التفاهم أيّ هدنة فورية في العمليات. فقد استمرت التقارير عن الغارات والقصف والعمليات العسكرية في جنوب لبنان، فيما دعت السلطات المحلية وهيئات الإغاثة السكان إلى عدم العودة العاجلة إلى قراهم.

من جانب حزب الله، لم يصدر أيّ موقف رسميّ بارز يرحّب بالاتفاق المعلن. في المقابل، كرّر مسؤولو الحزب في الأيام الأخيرة قناعتهم بضرورة أن تشمل أيّ تسوية بين واشنطن وطهران لبنان، وأن تؤدّي إلى وقف العمليات الإسرائيلية.

أمّا في تل أبيب، وكما أُشير سابقًا، فالرفض قاطع. ويبقى الاختبار الحقيقيّ في الأيام المقبلة: فإذا واصلت إسرائيل ضرباتها في لبنان مع تأكيدها أنّها غير مُلزمة بأي بنود تتعلق بحزب الله، سيفتح ذلك الباب أمام سيناريوهين محتملين.

الأول هو سيناريو فصل المسارات، حيث تسعى واشنطن إلى الحفاظ على الاتفاق النوويّ والاستراتيجيّ مع طهران، مع غضّ النظر عن استمرار العمليات الإسرائيلية في لبنان بشكل محدود، وهو خيار يبدو أنّ إسرائيل تراهن عليه.

أمّا السيناريو الثاني فهو تآكل تدريجيّ للبنية الدبلوماسية برمّتها، لا سيّما أنّ إيران لا تعتبر لبنان، ولا حزب الله، ملفًّا هامشيًّا. فقد دأبت السلطات الإيرانية على تقديم حماية حلفائها الإقليميين كجزء أساسيّ من توازناتها الاستراتيجية. وإذا استمرّت الضربات الإسرائيلية على نطاق واسع على الرغم من الاتفاق، فقد ترى التيّارات الأكثر تشدّدًا داخل النظام الإيرانيّ أنّ واشنطن عاجزة عن فرض احترام الالتزامات المعلنة، أو غير راغبة في ذلك.

وعلى الأرجح، سيتحدّد هنا بالذات مصير الاتفاق. وهكذا، قد يصبح لبنان، الذي طالما اعتُبر مجرد متغيّر إقليميّ، المعيار الأهم لنجاح هذا الاتفاق أو فشله.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us