القرض الحسن أمام القضاء: تكريس صراع الدولة والدويلة

يقف القضاء أمام اختبار دقيق: فإما أن ينجح في إدارة هذا الملف وفق معايير قانونية بحتة تعزز ثقة اللبنانيين بمؤسسات الدولة، وإما أن يتحول التحقيق إلى ساحة جديدة للصراع السياسي، إذ لن يحدد مصير الجمعية فقط بل أيضاً حدود قدرة الدولة على مقاربة أحد أكثر الملفات المالية والسياسية حساسية في البلاد
كتب يوسف دياب لـ”هنا لبنان”:
لم تعد إحالة جمعية “القرض الحسن” إلى القضاء مجرد خطوة إدارية أو قانونية عابرة، بل تحولت إلى محطة سياسية وقضائية مفصلية تختبر قدرة الدولة اللبنانية على فرض سلطتها على الملفات المالية الحساسة، بعيداً من الحسابات السياسية والتوازنات القائمة. فالقرار الذي اتخذه وزير العدل عادل نصار بإحالة الملف إلى النيابة العامة التمييزية يفتح الباب أمام تحقيق قد يكون من الأكثر تشعباً وتعقيداً في السنوات الأخيرة، نظراً إلى ارتباط الجمعية ببيئة سياسية وشعبية واسعة، وإلى طبيعة النشاط المالي الذي تمارسه منذ عقود.
وتكتسب هذه الإحالة أهمية خاصة لأنها تنقل الجدل الدائر حول وضع الجمعية من دائرة السجال السياسي والإعلامي إلى إطار قانوني وقضائي يفترض أن تحكمه النصوص والوقائع والأدلة. وفي هذا السياق، يستعد النائب العام التمييزي القاضي أحمد الحاج الذي تسلّم الملف لبدء التحقيقات الأولية التي يُنتظر أن تشمل مختلف الجوانب القانونية والإدارية والمالية المرتبطة بعمل الجمعية.
ووفق ما تؤكد مصادر قضائية لـ”هنا لبنان”، فإنّ التحقيق لن يقتصر على نقطة محددة، بل سيشمل سلسلة ملفات مترابطة تبدأ من الأساس القانوني الذي تستند إليه الجمعية في عملها. ومن أبرز النقاط التي سيجري التثبت منها ما إذا كان الترخيص الممنوح للجمعية لا يزال صالحاً ونافذاً، أو أنّ هذا الترخيص تعرض للتجميد أو فقد مفاعيله القانونية مع مرور الوقت أو نتيجة قرارات إدارية سابقة.
كما سيتناول التحقيق طبيعة الأنشطة المالية التي تمارسها الجمعية، وما إذا كانت تتوافق مع القوانين اللبنانية النافذة، ولا سيما أحكام قانون النقد والتسليف الذي ينظم العمل المصرفي والمالي في لبنان. وسيحاول القضاء الإجابة عن سؤال أساسي يتعلق بما إذا كانت الجمعية قد مارست أعمالاً مالية أو ائتمانية تدخل ضمن اختصاص المؤسسات الخاضعة لرقابة مصرف لبنان، وما إذا كانت تلك الأعمال تشكل مخالفة للقوانين المرعية الإجراء.
ولن يتوقف التدقيق عند هذا الحد، إذ تشير المعطيات إلى أن جزءاً من الملف قد يتصل بصلاحيات هيئة التحقيق الخاصة التابعة لمصرف لبنان، وهي الجهة المخولة قانوناً متابعة شبهات المخالفات المالية وتبييض الأموال والتأكد من مدى الالتزام بالأنظمة الرقابية المعمول بها. ومن هنا قد تتداخل الصلاحيات القضائية والرقابية في مسار التحقيق، ما يضفي عليه بعداً إضافياً من التعقيد.
أما على الصعيد السياسياً، فيبدو الملف أكثر حساسية من أي وقت مضى. فمجرد فتح التحقيق قد يثير سجالات واسعة بين القوى السياسية، لكن التداعيات الأكبر قد تظهر إذا انتهت التحقيقات إلى اتخاذ إجراءات عقابية أو تدابير قانونية بحق الجمعية. عندها لن يبقى الأمر محصوراً في الجانب القضائي، بل سيتحول إلى قضية سياسية وشعبية بامتياز، خصوصاً أن “القرض الحسن” يُنظر إليه من قبل شريحة واسعة من اللبنانيين بوصفه مؤسسة تؤدي دوراً مالياً واجتماعياً مهماً داخل بيئة حزب الله.
هنا يقف القضاء أمام اختبار دقيق: فإما أن ينجح في إدارة هذا الملف وفق معايير قانونية بحتة تعزز ثقة اللبنانيين بمؤسسات الدولة، وإما أن يتحول التحقيق إلى ساحة جديدة للصراع السياسي. وبين هذين الاحتمالين، تبدو الأنظار متجهة إلى مسار التحقيق الذي سيحدد ليس فقط مصير الجمعية، بل أيضاً حدود قدرة الدولة على مقاربة أحد أكثر الملفات المالية والسياسية حساسية في البلاد.
مواضيع مماثلة للكاتب:
معركة عائشة بكار تفضح حماة الفوضى في بيروت | قانون العفو بين الصراع الطائفي والعدالة المُجتزأة | العفو العام: عدالة لا صفقة |




