هدنة بالنسبة إلى إيران… وفخّ بالنسبة إلى لبنان!

كتب Marc Saikali لـ”Ici Beyrouth”:
الانتظار مُلحّ. الانتظار لمعرفة ما تحمله مذكرة التفاهم الّتي ستوقَّع يوم الجمعة في جنيف.
سيُضيف رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس الطابع الرسمي على نص وافقت عليه الأطراف المعنية إلكترونيًّا. ثمة أمر واحد مؤكد: لا يتعلق الأمر باتفاق سلام.
ما نتحدث عنه هو هدنة لمدة ستين يومًا، وممرّ دبلوماسي فُتح على عجل بين طرفيْن أنهكتهما الحرب.
يتمثل الأثر الفوري الأبرز في إعادة فتح مضيق هرمز، الّذي شلّ إغلاقه أسواق النفط العالمية، إلى جانب رفع الحظر الأميركي عن الموانئ الإيرانية بشكل تدريجي. لكنّ القضايا الجوهرية، كالبرنامج النووي الإيراني، والصواريخ الباليستية، والعقوبات، تبقى قائمة. شكّلت هذه المسائل أهداف الحرب. ناهيك عن مسألة سقوط النظام الإيراني الّتي لم يعد أحد يتحدّث عنها.
تُؤجَّل جميع هذه الملفات ببساطة إلى الشهريْن المقبليْن من المفاوضات. ويُفتح قوسان… ولا يُغلَق الملف. ولا يتفق الطرفان حتى على مضمون النص، إذ لكل منهما طريقته الخاصة. باختصار، عنوان المرحلة الراهنة: فشل عمره ستّون يومًا.
ما ينتظر التفاوض حوله، تحديدًا، هو الجوهر. وكل ما هو أساسي وبنيوي، يبقى معلّقًا. أمّا مسألة الأذرع، فتشكل مثالًا آخر على ذلك: حزب الله، والحوثيون، والميليشيات العراقية، وحماس الّتي، بالمناسبة، تصرّ على رفض نزع سلاحها في غزّة. لقد بنت إيران، على مدى عقود، شبكة قوة بالوكالة. والولايات المتحدة تريد وضع حدٍّ لهذا الأمر. وطهران تعتبر أنّ واشنطن غير معنية بهذا الموضوع. وفي هذا الملف، ما من ملامح لأي اتفاق، ونحن أمام حائط مسدود.
وهنا بالذّات يظهر لبنان الّذي يحاول الحفاظ على وجوده.
بالنسبة إلى بيروت، بات الوضع خانقًا بكل ما للكلمة من معنى. إذ تؤكد إيران أنّ هذا الاتفاق يتضمن وقفًا شاملًا لإطلاق النار في لبنان، يغطّي جميع الجبهات والعمليات العسكرية. بعبارة أخرى، تتحدث طهران باسم لبنان، من دون استشارة هذا الأخير، أو موافقته.
تسعى إيران إلى إبقاء هذا البلد الصغير رهينةً، على طريقة “فرس النبيّ” الّتي تقتل باسم حب قسري. ولا تكفّ الميليشيا “اللبنانية” غير الشرعية عن التلذّذ بهذا المشهد الكابوسي. وأمين عام حزب الله، نعيم قاسم، انهال بوابل من الشكر والانحناءات. وبحسب الأخير، “قدّمت إيران كل شيء من دون أن تطلب في المقابل أي شيء من لبنان وشعبه”.
حقًا؟! يا له من “حب” جميل كلّف نحو 4000 قتيل، ومليون نازح، ودمار الجنوب اللبناني!
في الواقع، تتقاذف لبنان أربع قوى تدفعه في اتجاهات متعاكسة. ويبدو البلد وكأنّه مشدود إلى شريط مطاطي تتجاذبه أيادٍ كثيرة في الوقت عينه. وكلّما حاول الإفلات من المدار الإيراني، ازداد الضغط، وكلّما حدث أدنى ارتخاء، أعاده الشريط إلى نقطة الصفر.
ثمّة الولايات المتحدة الّتي تدير المفاوضات وتضغط على بيروت للتقدم بسرعة. وثمّة إسرائيل الّتي تأبى سحب قواتها من جنوب لبنان طالما أنّ حزب الله مسلّح، ولا تعتبر نفسها معنيّة بالاتفاق. وثمّة إيران الّتي تستخدم الملف اللبناني كورقة تفاوض… والآن سوريا.
في إحدى تصريحاته المفاجئة، اعتبر الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنّ دمشق قد تكون أكثر فاعلية من الإسرائيليين في مواجهة الميليشيا الموالية لإيران.
حتى الآن، ينفي أحمد الشرع أي نية لديه للتدخل في لبنان. لكنّ سوريا لطالما نظرت إلى البلد الجار بعين الطمع. وفي حال حصول أي تدخّل عسكري من دمشق، تجتمع عناصر صراع سني – شيعي، لتكتمل بذلك شروط الذروة الدموية النهائية. لحسن الحظ أنّ السعودية وتركيا تعارضان هذا المشروع بشدّة.
ستسألونني، ما هو الحل؟ ثمّة حل وحيد… وهو الّذي اختارته الدولة اللبنانية: التفاوض المباشر في واشنطن. وقد بات واضحًا أنّ إيران نجحت في إعطاء انطباع بأنّها المنقذ، عبر إعلانها وقف إطلاق النار في لبنان، لكنّ ذلك لا يتعدّى كونه مسرحية.
إذ، في حال انسحبت القوات الإسرائيلية يومًا ما، فسيكون ذلك نتيجة مفاوضات مباشرة بين اللبنانيين والإسرائيليين. والمعادلة واضحة: انسحاب مقابل سلام، ونزع سلاح الميليشيات غير الشرعية. ومصلحة لبنان ليست في أي مكان آخر.
لأنّه ثمة وقت يتعيّن فيه قول “كفى”. كفى لـ”الاستراتيجية اللامعة” الخاصّة بحزب الله، الّتي نجحت على مدى ثلاثة أشهر في إعادة الإسرائيليين إلى موقع قلعة راشيا (البوفور)، ووضعت السوريين في موقع الاستعداد للعودة إلى البقاع. وإن كان ثمّة مَن يرى في ذلك مصلحة للبنان، فليعرض لنا خلاصة تفكيره.
مأساة لبنان ناتجة عن وجوده دائمًا في قلب المفاوضات، وأبدًا في قلب القرارات.
قال شارل ديغول: “لا تملك الدول دولًا صديقة، بل مجرّد مصالح”.
فلعلّنا نكترث يومًا بمصالحنا، نحن أيضًا!
مواضيع ذات صلة :
بالصّور: “لبنان أولاً” على طريق المطار بدل “شكراً إيران”! | التصعيد يتجدّد بين واشنطن وطهران… ضربات متبادلة وتهديدات مفتوحة! | نتنياهو: الاتفاق الإطاري مع لبنان ضربة كبيرة لإيران |




