على اللبنانيين المضيّ قدمًا بثبات

كتب David Hale لـ”This is Beirut”:
يستحيل أن يكون إرغام الخصم على الاستسلام غير المشروط ممكنًا، إلّا إذا خاض المنتصر حربًا غير مشروطة، وهو ما لم يكن الرأي العام الأميركيّ مستعدًّا له بوضوح في المواجهة مع إيران. لذلك، تطلّب إنهاء هذا الصراع حتمًا قدرًا من التسويات. مع ذلك، يُضخّم معظم الأطراف مذكّرة التفاهم الأميركية – الإيرانية، ويبالغون في تقديرها. إذ يقتصر مضمونها العمليّ على وقف إطلاق النار، وتخفيف العقوبات على إيران، وإعادة فتح مضيق هرمز. أمّا سائر البنود، فتبقى مرهونةً بمفاوضات تُجرى بحسن نية حول البرنامج النوويّ الإيرانيّ.
أمّا الحقيقة الّتي يتجنّب الكثيرون الإقرار بها، فهي أنّ العقوبات النفطية على إيران لم تُطبَّق بفعالية منذ عام 2021. لذلك، وعلى الرغم من أهمية المكسب الرمزيّ الّذي تحققه طهران، يبقى التغيير الفعليّ في موازين القوى محدودًا. كما ينبغي النظر إلى الصورة الأوسع، واستحضار حجم التراجع الّذي أصاب النفوذ الإيرانيّ منذ تشرين الأول 2023. ففي ذلك الوقت، تحكّمت إيران إلى حد كبير بإيقاع الأحداث في الشرق الأوسط، ومارست نفوذًا واسعًا في بيروت، وبغداد، وصنعاء، وغزّة. واتّبعت دول الخليج سياسات حذرة تجاه طهران، في ظل غياب أي استراتيجية أميركية واضحة للتعامل مع التهديد الإيرانيّ.
ومنذ ذلك الحين، لم يُقدم أي رئيس أميركيّ على إضعاف القدرات الإيرانية، بما في ذلك قدرات تخصيب اليورانيوم، بالقدر الّذي فعله دونالد ترامب.
وعلى الرغم من التنازلات والثغرات الّتي تتضمّنها مذكرة التفاهم، لا تخرج إيران من هذا المشهد منتصرة. فقد تراجعت قدرتها على إسقاط نفوذها في أنحاء الشرق الأوسط بصورة كبيرة. كما أكسبتها الهجمات الّتي استهدفت منشآت الطاقة، والبنية التحتية المدنية في دول الخليج، خصومًا دائمين، ليس في داخل قصور الحكام فحسب، بل أيضًا بين عامة الناس.
أمّا رشقات الصواريخ والطائرات المُسيّرة الّتي أطلقتها مؤخرًا، فلم تكن سوى صورة باهتة عمّا كانت قادرة على تنفيذه قبل عام واحد فحسب. وباتت أذرعها، ووكلاؤها في المنطقة بحاجة إلى الدعم الإيرانيّ لتجنّب الانهيار، لا العكس.
ستحدّد كيفيّة إدارة المفاوضات خلال الستين يومًا المقبلة ما إذا كان هذا المسار الإيجابيّ سيستمر أم لا. وفي غضون ذلك، لن تتمكّن إيران من استئناف تخصيب اليورانيوم. ولكن، بغضّ النظر عن النتائج، ستبقى الإشكاليّات القائمة مع إيران، وستتطلّب إدارة طويلة الأمد. فالولايات المتحدة لن تُنهي وجودها العسكريّ الراسخ في الخليج، ولن تُعيد توجيه اهتمامها الاستراتيجيّ نحو الصين، قبل أن يُطوى ملف التهديد الإيرانيّ بصورة نهائية، وهو أمر بعيد المنال ويحتاج إلى سنوات. أمّا دول الخليج، فستواصل إصلاح بنيتها التحتية وتطوير بدائل إضافية لمضيق هرمز لنقل الطاقة وغيرها من السلع، بما في ذلك احتمال إعادة تأهيل خطوط الأنابيب المتوقّفة منذ زمن طويل لنقل النفط إلى البحر المتوسط عبر لبنان.
على أي حال، تستدعي فكرة قدرة الولايات المتحدة وإيران على تجاوز خلافاتهما بشأن الملف النوويّ خلال هذا العام، قدرًا كبيرًا من التدقيق. ومن المرجّح أن يواجه فريق ترامب مجددًا ما يراه خطابًا إيرانيًّا متعاليًا، وأسلوبًا تفاوضيًّا مراوغًا. وقد تدفع اعتبارات سياسية واقتصادية إلى تجديد مذكرة التفاهم بعد انقضاء الستين يومًا الأولى، غير أنّ الجدل الأميركيّ – الإيرانيّ حول تفسير مضمون المذكرة، فضلًا عن الخلاف حول جدول أعمال المفاوضات وأهدافها الجوهرية، سيطغى على الأرجح على أيّ رصيد محتمل من حسن النيّة أو فرص التقدم.
تندرج هذه الاعتبارات جميعها ضمن الأسباب الّتي تدعو اللبنانيين الساعين إلى استعادة سيادة دولتهم عبر السلام إلى عدم الاستسلام لليأس، أو التراجع. صحيح أن ثمّة اختلافات جوهرية بين مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية واتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، وهي اختلافات لا بد من معالجتها وتجاوزها، لا سيّما في ظلّ غياب أي إشارة إلى نزع سلاح حزب الله في الوثيقة الأميركية – الإيرانية. كما أنّه لا ينبغي، وبعد كل ما تحقّق من تقدم في استعادة قدر من القرار السياديّ لصالح القيادات السياسية الشرعية في لبنان، أن تسمح الولايات المتحدة لإيران بفرض إيقاع المسار التفاوضيّ المتصل بلبنان مجدّدًا.
وتكشف هذه المذكرة بوضوح أنّ إيران تسعى إلى إعادة ترسيخ نفوذها وهيمنتها على لبنان. وينبغي التعامل مع هذا المعطى باعتباره واقعًا سياسيًّا ينبغي مواجهته، وتوظيفه للحدّ من هذا النفوذ. كما يؤكّد ذلك أنّ السيادة اللبنانية ستبقى عرضةً للتلاعب، بل وحتى للافتئات عليها، ما لم يتمّ التوصل إلى ترتيب سلميّ مستدام بين لبنان وإسرائيل.
وبطبيعة الحال، ثمّة ترابطات موضوعية بين مسار التطوّرات في لبنان وبين مآلات العلاقة الأميركية – الإيرانية بعد هذه المرحلة. غير أنّه يتعيّن أن تبقى مسارات التفاوض منفصلة وواضحة. وعلى واشنطن أن تتجنّب أي خطوات قد توحي بتهميش القرار السياديّ اللبنانيّ، أو التضحية بلبنان في سبيل السعي إلى تسوية مع إيران لا تزال نتائجها غير مضمونة.
لقد خصّصت كتابًا كاملًا لتوثيق هذا النّمط من الدبلوماسية الأميركية تجاه لبنان، وحان الوقت لاستخلاص دروس التاريخ.
ولم يفت الأوان بعد لإجراء التصحيحات المطلوبة في المسار. فالحوار المباشر رفيع المستوى بين القيادات اللبنانية والأميركية كفيل بتوضيح حقيقة المأزق الّذي يواجهه لبنان. كما سيكشف أداء إيران في المرحلة المقبلة من المفاوضات حدود الدبلوماسية، وإمكانات التسوية معها. فالتعاطي الدبلوماسيّ مع إيران لا يمكن أن ينجح إلا إذا اقترن بضغط عسكريّ متواصل، واستراتيجيات صارمة وواقعية. وينبغي أن يشمل هذا النهج دعمًا ثابتًا للحلفاء الإقليميين الّذين يخاطرون بالتعاون معنا لتحييد قدرة إيران على تهديد المنطقة، بما في ذلك من خلال نزع سلاح حزب الله.
مواضيع ذات صلة :
بالصّور: “لبنان أولاً” على طريق المطار بدل “شكراً إيران”! | التصعيد يتجدّد بين واشنطن وطهران… ضربات متبادلة وتهديدات مفتوحة! | نتنياهو: الاتفاق الإطاري مع لبنان ضربة كبيرة لإيران |




