جنوب لبنان: كيفية قراءة الخريطة الإسرائيلية الجديدة؟

ترجمة هنا لبنان 20 حزيران, 2026

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth”:

على بعد أيام قليلة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية المقررة في أسبوع الثاني والعشرين من شهر حزيران، وهي مفاوضات مفصلية في نظر واشنطن، وفي ظل الاتفاق المُعلن بين الولايات المتحدة وإيران، اختار الجيش الإسرائيلي نشر خريطة يُفترض أن تثير تساؤلات واسعة حول نواياه في جنوب لبنان.
وقد نشر الخريطة، يوم الخميس، المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي باللغة العربية أفيخاي أدرعي على منصة إكس، حيث يظهر فيها تحديدٌ لمنطقة عمليات واسعة في داخل الأراضي اللبنانية؛ وتُكرّس الخريطة ما تقدّمه إسرائيل بوضوحٍ لم يسبق له مثيل، إذ تضمّ ترتيباتها الأمنية في جنوب البلاد.

تأتي هذه الخطوة في سياق حربٍ لا تزال مستمرة. فعلى الأرض، تتواصل الاشتباكات في محيط النبطية، فيما تكثّف القوات الإسرائيلية ضغطها على مرتفعات علي الطاهر، وهي مجموعة تلال استراتيجية تُشرف على مساحات واسعة من جنوب لبنان، وتُعتبر من أبرز نقاط المراقبة والتموضع لدى حزب الله في هذه المنطقة. وبالتوازي، تستمر الغارات الإسرائيلية في استهداف بعض البلدات الحدودية، رغم الزخم الدبلوماسيّ المُسجّل في خلال الأيام الأخيرة، في وقت جاء فيه الخطاب الإسرائيلي الرسميّ ليزيد من تشدد الإطار الأمنيّ.
فقد صرّح وزير الدفاع الإسرائيلي، يوآف غالانت، بأنّ إسرائيل لن تسمح بأي مساس بجنودها أو مدنيّيها، وبأنّ أي خرق لوقف إطلاق النار يرتكبه حزب الله، سيقابله ردّ قويّ جدًا. وأضاف إنّ الجيش الإسرائيلي سيبقى منتشرًا في المنطقة الأمنية في داخل لبنان، من الساحل وصولًا إلى مرتفعات قلعة الشقيف. كما شدد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بدوره على الموقف عينه، مؤكدًا بأنّ إسرائيل ستحتفظ بمواقعها في هذه المنطقة طالما كان ذلك ضروريًا لحماية بلدات الشمال فيها.
وتتعارض هذه التصريحات، إلى جانب نشر الخريطة، مع حقيقة بقاء مسألة الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية في صلب النقاشات الإقليمية، سواء في إطار الاتفاق الأميركي – الإيرانِي، أو المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية الجارية. وفي هذا السياق، يرى مسؤول عسكريّ، فضّل عدم الكشف عن هويته، في حديث إلى موقع Ici Beyrouth أنّ الخريطة الّتي نشرها الجيش الإسرائيلي لا تُقدَّم كصورة للوضع الميدانيّ بقدر ما تبدو محاولة لفرض محددات المرحلة التفاوضية المقبلة.

“منطقة أمنية” على عمق خمسة إلى عشرة كيلومترات
يشير النص المرافق للخريطة إلى أنّ القوات الإسرائيلية تتحرك “وفق الضرورات العملياتية” في مساحة قد تمتد إلى عمق يقارب عشرة كيلومترات في داخل الأراضي اللبنانية، بهدف إزالة التهديدات وتعزيز حماية البلدات الإسرائيلية في الشمال.
ويضيف الخبير بأنّ “هذه المنطقة لا تتطابق لا مع الخط الأزرق الّذي حددته الأمم المتحدة بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، ولا مع الحدود الدولية المعترف بها. بل هي ما تسميه إسرائيل اليوم “خط دفاع متقدم”، يمتد من الغرب إلى الشرق بمحاذاة الحدود، ويتوغل بعمق في داخل الأراضي اللبنانية”. ويذكّر بأنّ إسرائيل كانت قد نشرت في نيسان الماضي خريطة مماثلة تُظهر خط انتشار بين خمسة وعشرة كيلومترات شمال الحدود، بهدف إنشاء ما تصفه بالمنطقة العازلة.
ويتابع قائلًا إنّ “إسرائيل تتعامل مع هذا النطاق باعتباره منطقة عسكرية نشطة، تسعى إلى الحفاظ فيها على حرية الحركة، وترسيخ وجود عسكريّ طويل الأمد، مع الإشارة إلى إمكان استهداف أي نشاط تعتبره معاديًا في داخل هذا المجال”.

ما بعد “الخط الأصفر”
الخط الأصفر الّذي رسمته إسرائيل من جانب واحد في سياق الحرب الحالية هو خط غير رسميّ، يحدد حتى الآن الحدود التقريبية للمناطق الّتي تعتبر إسرائيل أنّها قادرة على العمل فيها، أو منع عودة السكان إليها.
غير أنّ الخريطة الجديدة تبدو، بحسب المصدر العسكريّ، أبعد من ذلك، إذ تُظهر إدراج مناطق إضافية ضمن نطاق العمليات الإسرائيلي، رغم أنّها لم تكن مشمولة سابقًا ضمن حدود “الخط الأصفر”.
عمليًّا، وبين التمثيل الأوليّ لهذا الخط، والخريطة الّتي نشرها الجيش الإسرائيلي يوم الخميس، يبدو أنّ الميدان شهد تحولًا ملموسًا، مع توسيع القوات الإسرائيلية نطاق سيطرتها بالتقدم في بعض النقاط الاستراتيجية الّتي كانت تُعتبر في السابق خطوط تماس.
في القطاع الشرقيّ، تشمل هذه التقدّمات محيط قلعة الشقيف، إضافة إلى بلدات أرنون، وكفرتبنيت، وزوطر الغربية، وزوطر الشرقية، والحمرا، قبل اندفاعة أحدث باتجاه مرتفعات علي الطاهر.
في القطاع الأوسط، لم تكن بعض المواقع مشمولة في نطاق الخط الأصفر الأوليّ، لا سيّما في حداثا، حيث تبقى السيطرة الإسرائيلية جزئية. كما اقتربت القوات الإسرائيلية من بيت ياحون من دون السيطرة الكاملة عليها، مع ممارسة ضغط متزايد باتجاه منطقة تبنين. وتبرز بلدتان بشكل خاص في هذا السياق: بنت جبيل الّتي باتت تحت سيطرة واسعة، وتبنين الّتي لا تبعد سوى ثلاثة كيلومترات عن المواقع الإسرائيلية، وفق المصدر عينه.
أمّا في القطاع الغربيّ، فالوضع أكثر تباينًا، إذ سُجلت تقدّمات جزئية في محيط مجدل زون من دون سيطرة كاملة، بينما لا تزال بلدتا مزرعة بيوت السياد، والمنصوري، تحت ضغط عسكريّ من دون احتلال مباشر.
وفي هذا الإطار، تشير تقديرات الخبير العسكريّ إلى أنّ عمق السيطرة الإسرائيلية في جنوب لبنان قد يبلغ اليوم نحو 600 كلم مربع، من دون إمكان رسم خطوط دقيقة، أو مستقرة، في هذه المرحلة.

رسالة موجهة لواشنطن
تكثّف إسرائيل إشاراتها الّتي تفيد بأنّها لا تعتبر الاتفاق الأميركيّ – الإيرانيّ كافيًا لضمان أمنها. وقد أوحت السلطات الاسرائيلية بوضوح بأنّها لن تبحث في أي انسحاب ما لم تُحسم مسألة سلاح حزب الله ووجوده العسكريّ في الجنوب.
وفي هذا السياق، تبدو الخريطة أداة تفاوضية بامتياز، إذ تسعى إلى تحويل واقع ميدانيّ عسكريّ إلى مرجعية سياسية. بعبارة أخرى، تحاول إسرائيل الوصول إلى واشنطن وهي تحمل خطًّا مرسومًّا بشكل مسبق، وإيصال رسالة مفادها أنّه يتعيّن على أي نقاش حول الانسحاب أن ينطلق من هذا الواقع الجديد.
كما أنّ الرسالة الموجّهة إلى بيروت تفيد بأنّ المفاوضات ستطال مجمل المنظومة الأمنية الّتي تعمل إسرائيل على ترسيخها. أمّا الرسالة الموجّهة إلى إيران، فهي أنّ الاتفاق المبرم مع الولايات المتحدة لن يترجم تلقائيًّا إلى تغيير في السياسة الإسرائيلية في لبنان.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us