“بيروت عطشى”… هل تُقطع المياه عمدًا لمصلحة أصحاب الصهاريج؟!


خاص 24 حزيران, 2026

من الطبيعي أن يطرح النّاس الأسئلة عندما يدفعون مبالغ كبيرة أسبوعيًّا لشراء المياه. نريد أن نعرف مصدر هذه المياه، وكيف يتم تأمينها لأصحاب الصهاريج، ولماذا لا تصل إلى منازلنا بشكل منتظم. فتوفّر الصهاريج خلال فترات الانقطاع الطويلة يزيد من حالة الشكّ لديهم، خصوصًا عندما يصبح الصهريج الخيار الوحيد أمام العائلات لتأمين احتياجاتها.

كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:

في الوقت الذي سجّل فيه موسم الشتاء معدّلات أمطار جيدة نسبيًّا، يعيش آلاف المواطنين في أحياء العاصمة بيروت على وقع أزمة مياه خانقة، وسط انقطاع متكرّر للمياه عن المنازل، ما أثار موجة غضب واستياء واسعة بين السكان الذين وجدوا أنفسهم مُجبرين على شراء المياه من الصّهاريج الخاصة لتأمين حاجاتهم اليومية.

في أحياء رأس النبع والبسطة والنويري وطريق الجديدة ورأس بيروت، تتكرّر الشكوى نفسها على ألسنة المواطنين: “المياه لا تصل إلى المنازل إلّا نادرًا، وإن وصلت فلفترات قصيرة لا تكفي لتعبئة الخزانات”.

ومع مرور الوقت، لم تعد المشكلة مجرّد انقطاع مؤقت، بل تحوّلت إلى عبءٍ جديدٍ يُضاف إلى سلسلة الأزمات التي يعيشها اللبنانيون. ويقول السكان إنّ غياب المياه عن الشبكة الرسمية دفع الكثير من العائلات إلى الاعتماد على الصهاريج الخاصة، ما فرض عليهم أعباء مالية إضافية.

وبحسب الأهالي، تتراوح أسعار صهاريج المياه بين مليون ومئتي ألف ليرة ومليون وخمسمئة ألف ليرة لبنانية تقريبًا لكل 10 براميل، وهو مبلغ بات يُشكل ضغطًا كبيرًا على العائلات، خصوصًا أنّ بعض الأسر تضطر إلى تعبئة المياه مرتين أو ثلاث مرات أسبوعيًا، ما يعني تخصيص ميزانيّة خاصة فقط لتأمين هذه الخدمة الأساسية.

يقول أبو محمد، من سكان رأس النبع: “لم يعد الموضوع مجرّد انقطاع عابر. هناك عائلات تضطرّ إلى تعبئة المياه يوميًّا، وهذا يعني مصروفًا ثابتًا لا يمكن تجاهله. نحن ندفع فاتورة المياه مرتَيْن، مرة للدولة ومرة لأصحاب الصهاريج”.

أما أم علي من البسطة فتقول: “كيف يمكن أن نُعاني من العطش بعد شتاءٍ شهد أمطارًا جيدة؟ ننتظر وصول المياه، وإذا لم تصل نضطر إلى الاتصال بصهريج. الأسعار أصبحت مرهقة، والمواطن لم يعد يعرف كيف يدبّر أموره”.

وفي منطقة النويري، يصف أحد السكان الوضع بأنه أصبح فوق قدرة الكثير من العائلات على التحمّل، قائلًا: “راتب الموظّف لم يعد يكفي. ندفع اشتراك المياه، ثم ندفع مبالغ إضافية للصهاريج، وكأنّ المياه تحوّلت من حق طبيعي إلى خدمة خاصة لا يستطيع الجميع تحمّل كلفتها”.

أما في طريق الجديدة، فتزداد التساؤلات حول أسباب استمرار الأزمة، حيث يقول أحد الأهالي: “هناك شعور عند الناس بأنّ الانقطاع غير طبيعي. لا نفهم لماذا تختفي المياه من الشبكة لفترات طويلة، فيما يزداد الاعتماد على الصهاريج بشكل كبير”.

وفي رأس بيروت، تتحدّث إحدى السيدات عن تفاصيل الحياة اليومية مع غياب المياه: “أصبحنا نعيش على جدول انتظار. إذا جاءت المياه نركض لتعبئة الخزانات، وإذا لم تأتِ نبدأ رحلة البحث عن صهريج. هذه ليست حياة طبيعية في مدينة يُفترض أن تؤمن الخدمات الأساسية لسكانها”.

ومع تفاقم الأزمة، بدأت الأسئلة ترتفع أكثر بين المواطنين حول الأسباب الحقيقية وراء استمرار الانقطاع، خصوصًا في ظلّ عدم وجود تفسير واضح ومقنع بالنسبة إلى الكثيرين، وفي ظلّ الحديث عن موسم أمطار جيّد نسبيًا.

ويقول عدد من الأهالي إنّهم لم يعودوا يقتنعون بأنّ المشكلة مرتبطة فقط بشحّ المياه أو بالأسباب التقنيّة، بل باتوا يتساءلون عن سبب استمرار الأزمة بهذا الشكل، ولماذا يجد المواطن نفسه مضطرًّا دائمًا إلى اللجوء إلى السوق الخاصّة لتأمين حاجة أساسية.

ويعبّر بعض السكان عن شكوكهم حول ملف الصهاريج، مُتسائلين عن كيفية توفّر المياه لدى أصحاب الصهاريج بشكلٍ مستمرٍّ، في وقتٍ تعجز فيه الشبكة الرسمية عن إيصال المياه إلى المنازل.

ويقول أحد سكان البسطة: “الناس أصبحت تسأل: لماذا تنقطع المياه لفترات طويلة، ثم نجد الصهاريج موجودة وجاهزة في كل الأوقات؟ وهناك سؤال آخر يطرحه المواطنون: من أين يحصل أصحاب الصهاريج على هذه الكمّيات من المياه؟ وكيف يستطيعون تأمينها بشكل دائم بينما يعاني الناس من العطش؟”.

ويضيف: “من الطبيعي أن يطرح الناس الأسئلة عندما يدفعون مبالغ كبيرة أسبوعيًّا لشراء المياه. نريد أن نعرف مصدر هذه المياه، وكيف يتم تأمينها لأصحاب الصهاريج، ولماذا لا تصل إلى منازلنا بشكل منتظم”.

ويرى المواطنون أن توفّر الصهاريج خلال فترات الانقطاع الطويلة يزيد من حالة الشك لديهم، خصوصًا عندما يصبح الصهريج الخيار الوحيد أمام العائلات لتأمين احتياجاتها. ويُطالبون الجهات المعنية بتوضيح آليّة تأمين المياه ومراقبة مصادرها وجودتها.

وفي الطريق الجديدة، يُشير أحد الأهالي إلى أنّ استمرار الأزمة خلق حالةً من فقدان الثقة، قائلًا: “إذا كانت المشكلة بالكهرباء وتأثيرها في محطات الضخّ، فلماذا لا يكون هناك برنامج واضح للضخّ؟ ولماذا لا تصل المياه بشكل عادل إلى كل المناطق؟ لا يجوز أن يبقى المواطن رهينة للصهريج”.

ومع تصاعد الغضب، يذهب بعض المواطنين إلى طرح فرضيّات أكثر حدّة، إذ يتساءلون عمّا إذا كانت هناك مصالح مشتركة بين بعض الجهات المسؤولة وأصحاب الصهاريج، ويقولون إن استمرار الانقطاع يزيد الطلب على المياه الخاصة ويثقل كاهل العائلات.

ويقول أحد سكان رأس بيروت: “نسمع بين الناس كلامًا عن احتمال وجود اتفاقات غير معلنة مع أصحاب الصهاريج، لأن الواقع يجعل الناس تشكّ. نحن لا نريد اتهامات بلا دليل، لكنّنا نريد تحقيقًا واضحًا وشفّافًا، ونريد أن نعرف لماذا وصلنا إلى هذه المرحلة”.

ويربط بعض السكان الأزمة أيضًا بمشكلة الكهرباء وتأثيرها في تشغيل محطات الضخّ، فيما يُحمّل آخرون الجهات المعنية مسؤولية إيجاد حل دائم بدل ترك المواطنين يعتمدون على الصهاريج لتأمين حق أساسي.

ويبقى السؤال الذي يردّده أهالي بيروت: كيف تبقى العاصمة عطشى على الرغم من موسم مطري جيد؟ ولماذا يتحمّل المواطن وحده كلفة تأمين المياه؟

إنّها صرخة سكان بيروت الذين يطالبون بالمياه كخدمة أساسية، لا كعبء إضافي يُفرض عليهم في ظلّ ظروف اقتصادية صعبة، ويُطالبون بإجابات واضحة وحلول فعليّة تُنهي معاناتهم اليومية.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us