90% من مصانع المخدرات سقطت… لكن معركة إنقاذ المدمنين ما زالت خاسرة!


خاص 25 حزيران, 2026

 

لبنان شهد خلال الفترة الأخيرة تطوّرًا ملحوظًا في مقاربة ملف المخدرات، لا سيما على مستوى ملاحقة مصانع الإنتاج، إذ تمّ القضاء على ما يقارب 90 في المئة من المصانع الكبرى. نتائج هذه الجهود ستنعكس إيجابًا خلال السنوات المقبلة، فالحدّ من الإنتاج والاتجار بالمخدرات يؤدّي تلقائيًّا إلى تراجع أعداد المتعاطين.

كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:

يُشكّل ملف الإدمان على المخدرات أحد أبرز التحدّيات الاجتماعية والصحية التي يواجهها لبنان في السنوات الأخيرة، في ظلّ تزايد أعداد المدمنين وتنامي تداعيات هذه الظاهرة على الأفراد والأسر والمجتمع ككل. وعلى الرغم من الجهود الأمنية المكثّفة التي بُذلت لمكافحة الاتجار بالمخدرات وتفكيك شبكات تصنيعها وترويجها، لا تزال الحاجة ملحّة إلى مقاربة شاملة تتعامل مع الإدمان باعتباره أزمة صحية ونفسية واجتماعية تتطلّب العلاج والتأهيل إلى جانب الإجراءات الأمنية والرّدعية. فنجاح مكافحة المخدرات لا يقتصر على ملاحقة التجّار وإغلاق المصانع، بل يتطلّب أيضًا توفير منظومة علاجيّة متكاملة تساعد المدمنين على التعافي وإعادة الاندماج في المجتمع بصورة سليمة ومستدامة.
وفي هذا الإطار، أكد رئيس جمعية “جاد – شبيبة ضد المخدرات” جوزيف حوّاط أنّ لبنان لا يزال يواجه تحدّيات كبيرة في ملف الإدمان، مُشيرًا إلى أنّ أعداد المدمنين تتزايد سنويًا في ظلّ غياب استراتيجية وطنية متكاملة للعلاج والتأهيل. وأوضح أن الجهود المبذولة في مكافحة الاتجار بالمخدرات، على أهميتها، يجب أن تترافق مع تطوير منظومة علاجية متخصّصة قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من المدمنين ومساعدتهم على التعافي والاندماج مجدّدًا في المجتمع.
وانتقد استمرار التقصير الرسمي في هذا الملف، معتبرًا أنّ الدولة اللبنانية لم تنجح حتّى اليوم في إنشاء مراكز حكومية متخصّصة ومتكاملة لعلاج وتأهيل المدمنين، على الرغم من تفاقم الأزمة عامًا بعد عام. وأشار إلى أنّ الإمكانات المتوافرة حاليًا لا تلبّي حجم المشكلة، إذ تقتصر معظم الخدمات على مرحلة سحب السموم (الفطم) التي تستمرّ أيامًا معدودةً، من دون استكمالها ببرامج علاج نفسي وتأهيل اجتماعي ومهني طويلة الأمد. وأضاف أنّ مراكز التأهيل الحديثة تحتاج إلى فرق عمل متعدّدة الاختصاصات تضمّ أطبّاء نفسيين ومعالجين واختصاصيّين اجتماعيّين وقانونيّين ومهنيّين، وهي عناصر لا تزال غائبة أو محدودة جدًا في لبنان.
ولفت حوّاط إلى أن نسبةً كبيرةً من المتعافين يعودون إلى التعاطي بعد خروجهم من مراكز العلاج بسبب غياب المتابعة اللّاحقة، مؤكدًا أنّ العلاج الحقيقي يبدأ بعد مرحلة الفطم وليس عند انتهائها. ومن هنا شدّد على ضرورة إنشاء عيادات يومية متخصّصة داخل المناطق والأحياء الأكثر عرضةً لظاهرة المخدرات، تتولّى متابعة المدمنين بعد العلاج ومساعدتهم على الاندماج في المجتمع، وتأمين فرص عمل لهم، وإبعادهم عن بيئات التعاطي، ومعالجة مشكلاتهم الأسرية والقانونية والمالية، بما يحدّ من احتمالات الانتكاسة ويعزّز فرص التعافي المستدام.
وعلى الرغم من الثغرات القائمة على مستوى البنية العلاجية، أشار رئيس الجمعية إلى وجود مؤشرات إيجابية على صعيد الاهتمام الرسمي بملف مكافحة المخدرات. وفي هذا السياق، كشف عن التحضير لتقديم عريضة إلى رئيس الجمهورية خلال لقاء مرتقب، تتضمّن رسالة شكر وتقدير لكونه أوّل رئيس لبناني يضع ملفّ مكافحة المخدرات في صلب خطاب القَسَم، وليترجم هذا الالتزام إلى خطوات عملية على أرض الواقع، ما انعكس تقدّمًا ملموسًا في مسار مكافحة المخدرات على مستوى الدولة.
وأشار إلى أنّ لبنان شهد خلال الفترة الأخيرة تطوّرًا ملحوظًا في مقاربة هذا الملف، لا سيما على مستوى ملاحقة مصانع إنتاج المخدرات، مُعتبرًا أنّ ما يقارب 90 في المئة من المصانع الكبرى قد تمّ القضاء عليها. وأكّد أن نتائج هذه الجهود ستنعكس إيجابًا خلال السنوات المقبلة، موضحًا أن الحد من الإنتاج والاتجار بالمخدرات يؤدي تلقائيًّا إلى تراجع أعداد المتعاطين، نظرًا للارتباط الوثيق بين العرض والطلب.
في المقابل، حذّر رئيس جمعية “جاد” من خطر انتقال بعض المدمنين إلى إساءة استعمال الأدوية المهدّئة والمنوّمة والمسكّنات كبدائل عن المخدرات التقليدية في حال تراجع توافرها أو ارتفاع أسعارها. وكشف أن الجمعية عقدت اجتماعًا مع نقابة الصيادلة لبحث آليّات الحدّ من إساءة استخدام الأدوية، مُشيدًا بالتعاون القائم لإقرار إجراءات رقابية أكثر فاعلية، من بينها تعميم العمل ببطاقة دوائية تُتيح ضبط صرف الأدوية ومنع التلاعب بالوصفات الطبية أو الحصول على الدواء من أكثر من صيدلية.
وأضاف أنّ الحملة التي تعمل عليها الجمعية تتضمّن أيضًا إطلاق عريضة شعبية تحمل مليون توقيع موجّهة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب تقديرًا للجهود الدولية الرّامية إلى مكافحة المخدرات والحدّ من الوفيات الناتجة عن الجرعات الزائدة.
وختم حوّاط داعيًا في الوقت نفسه إلى استكمال المواجهة من خلال الاستثمار في العلاج والتأهيل والتوعية، مؤكدًا أن مكافحة المخدرات لا تكتمل بالإنجازات الأمنية وحدها، بل تتطلّب أيضًا إنقاذ المدمنين وتأمين فرص حقيقية لهم للعودة إلى حياة طبيعية ومنتجة داخل المجتمع، ضمن رؤية وطنية شاملة تجمع بين الوقاية والعلاج وإعادة التأهيل.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us