جولة واشنطن الخامسة: جدل حول آليّة الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني

انتهى أمس اليوم الثاني من الجولة الخامسة للمفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في واشنطن، التي عُقدت في مقر وزارة الدفاع الأميركية “البنتاغون”، لمناقشة خرائط الانتشار الميداني وآليّات بدء الانسحاب الإسرائيلي.
وبحثت الجولة الخامسة من المحادثات الجارية في واشنطن، برعاية أميركية، ترتيبات تتعلق ببدء انسحاب إسرائيلي من الأراضي اللبنانية، وسط خلافات بشأن وتيرة الانسحاب والمناطق التي ستشملها الخطوة، في وقت تواصل فيه تل أبيب التمسّك بالإبقاء على وجودها العسكري في الجنوب اللبناني.
ونقلت مصادر مطلعة أنّ خلافات برزت منذ اليوم الأول بشأن سرعة الانسحاب والمناطق التي قد تنسحب منها القوات الإسرائيلية، مشيرةً إلى أن المحادثات تتجه نحو انسحاب إسرائيلي من بعض المناطق، من دون أن يشمل ذلك كامل المناطق التي تحتلها القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان.
وفي السياق ذاته، شدّد وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، على أن أحد الملفات المطروحة في المفاوضات يتمثّل في إنشاء “مناطق تجريبية” في الجنوب اللبناني، يتولى الجيش اللبناني السيطرة عليها وتأمينها قبل الانتقال إلى مناطق أخرى.
ونقلت صحيفة “يديعوت أحرونوت” عن روبيو قوله إن الفكرة تقوم على تحديد مناطق معيّنة “يدخل إليها الجيش اللبناني ويتولى السيطرة عليها وتأمينها، ثم الانتقال إلى المنطقة التالية”.
وقاد وفد الوساطة الأميركي كل من كبير الموظفين في وزارة الخارجية دان هولر، والمسؤول الرفيع في دائرة الشرق الأدنى جاي مينز، ومساعد وزير الدفاع الأميركي لشؤون الأمن الدولي دانيال زيمرمان، والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، ونظيره في إسرائيل مايك هاكابي.
وترأس الوفد اللبناني السفير السابق سيمون كرم، بمشاركة السفيرة اللبنانية في الولايات المتحدة ندى حمادة معوض، ونائب السفير وسام بطرس، والملحق العسكري اللبناني في واشنطن العميد الركن أوليفر حاكمة، إلى جانب عدد من الضباط الكبار.
وشارك عن الجانب الإسرائيلي نائب مستشار الأمن القومي يوسي درازنين، والمسؤول في رئاسة الوزراء أوري رزنيك، والسفير ليتر.
وقال مسؤول أميركي لـ”الشرق الأوسط” إن كلاً من نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو أبلغا الرئيس جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن “ترسيخ وقف إطلاق النار والمحادثات المستقبلية” يشمل “آليّة مراقبة عبر القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) لتزويد صانعي القرار لدينا بمعلومات دقيقة وفورية حول القتال في لبنان”.
وكانت مصادر مطلعة قد وصفت لصحيفة “نداء الوطن” المناقشات بأنها صعبة، مشيرة إلى أن واشنطن تمارس ضغوطاً كبيرةً على الجانبين اللبناني والإسرائيلي لإبداء المرونة وتحقيق تقدم ملموس، نظراً إلى الأهمية البالغة التي تكتسبها هذه الجولة.
وأفادت مصادر في الخارجية الأميركية لصحيفة ”نداء الوطن” بأنّ العمل جارٍ على إعداد مسودة إعلان نوايا يُفترض أن تشكّل قاعدةً للآليات التنفيذية الخاصة بتطبيق المخرجات المتوافق عليها، من دون أن يكون صدورها مضموناً حتى الآن.
وكانت الجولة السابقة قد أفضت إلى تفاهم مبدئي بشأن إقامة مناطق نموذجية تشمل محيط قلعة الشقيف ومنطقتين مأهولتين، إلا أن تبدل الظروف منذ ذلك الحين زاد المناقشات تعقيداً، وأعاد فتح الخلاف حول نطاق هذه المناطق وآليات تطبيقها.
وفي هذا السياق، علمت “نداء الوطن” أن الجانب الإسرائيلي، الذي يتشدد في الإجراءات العملانية الهادفة إلى إزالة الخطر عن شمال إسرائيل، يرفض حالياً الانسحاب من نقاط يعتبرها استراتيجيةً ومرتبطةً بأمنه، ما دام تهديد “حزب الله” لم يُنهَ بالكامل.
ومن هذا المنطلق، رفض أن يكون الانسحاب من قلعة الشقيف ومحيطها الخطوة الأولى، واقترح أن يبدأ التطبيق التجريبي في مناطق خارج نطاق وجود الجيش الإسرائيلي، من بينها أجزاء من القطاع الغربي، حيث يُعد تهديد “الحزب” محدوداً أو شبه معدوم، إضافةً إلى صور والزهراني وبعض المنشآت، مثل موقع علي الطاهر.
في المقابل، أصرّ الوفد اللبناني على أن تشمل المناطق التجريبية أراضٍ واقعة تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي، وتحديداً داخل “الخط الأصفر”، بما يتيح انسحاب القوات الإسرائيلية منها، وانتشار الجيش اللبناني، وعودة الأهالي إليها.
وقد قوبل الطرح اللبناني برفض إسرائيلي، ما استدعى تدخل الوسيط الأميركي مرّات عدة لمحاولة التوصل إلى تسوية واتفاق.
وفي السياق عينه، يؤكد دبلوماسي مطلع على المحادثات لصحيفة ”الجمهورية” أن المؤشرات الواردة من واشنطن ومن العواصم الراعية للمفاوضات تدلّ على وجود فرصة جدية للمرة الأولى لربط الانسحاب الإسرائيلي التدريجي بتوسيع انتشار الجيش اللبناني وتعزيز سلطة الدولة على الأرض، وهو ما يشكل المدخل الوحيد لإنهاء الحرب بصورة مستدامة واستعادة الاستقرار في الجنوب.
وبحسب الدبلوماسي، فإنّ النقاش لم يعد يدور حول مبدأ الانسحاب بحد ذاته، بل حول الآلية التنفيذية. وقد سجل الجانب الإسرائيلي، للمرة الأولى، استعداداً للقبول بانتشار الجيش اللبناني داخل مناطق لا تزال واقعةً تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي تمهيداً للانسحاب منها، وهو تطور تعتبره واشنطن والعواصم الأوروبية خطوة عملية يمكن البناء عليها للوصول إلى تفاهم أوسع.
ويكشف الدبلوماسي أنّ العقدة الأساسية لم تعد إسرائيلية بقدر ما أصبحت داخلية لبنانية، وتتصل بما يُعرف بـ”المناطق النموذجية” أو “التجريبية”، التي يُفترض أن تشكل نموذجاً أولياً لتطبيق مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة وانتشار الجيش اللبناني بشكل كامل.
ويضيف أن معظم الوسطاء الدوليين ينظرون إلى هذه المناطق باعتبارها اختباراً لجدية الدولة اللبنانية في تنفيذ التزاماتها، خصوصاً أن المجتمع الدولي لا يطالب بخطوات شاملة وفورية، بل بمسار تدريجي يثبت أن قرار استعادة الدولة لسلطتها على كامل أراضيها أصبح قراراً فعلياً وليس مجرد إعلان سياسي.
وبحسب الدبلوماسي، فإنّ الرهان الأميركي والأوروبي والعربي بات واضحاً، ويتمثل في المؤسسة العسكرية اللبنانية باعتبارها الجهة الشرعية الوحيدة القادرة على إدارة المرحلة المقبلة.
ولهذا السبب، يجري البحث بجدّية في إعادة إحياء مؤتمر دولي لدعم الجيش اللبناني ضمن سلة أوسع تشمل دعماً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً للبنان، بالتوازي مع برامج تدريب وتجهيز جديدة تتناسب مع حجم المهام المنتظرة من المؤسسة العسكرية.
مواضيع ذات صلة :
بعد مفاوضات مكثّفة… توقيع الاتفاق الإطاريّ بين لبنان وإسرائيل و”التنفيذ” تحت المجهر | مسؤول إسرائيلي: لن ننسحب من لبنان قبل إنهاء نفوذ “الحزب” | نتنياهو: الاتفاق الإطاري مع لبنان ضربة كبيرة لإيران |




