ما لم يُعلَن عنه في المفاوضات

ترجمة هنا لبنان 25 حزيران, 2026

كتب Charles Chartouni لـ”Ici Beyrouth”:

من اللّافت أن يلاحظ مراقب غياب أي إشكالية حقيقية في المفاوضات الجارية، وكأنّها تُختزل في كونها مسألة تقنية أو إجرائية بحتة. غير أنّنا في الواقع أمام ديكتاتورية أيديولوجية، أو نظام إسلاميّ شموليّ قائم على الأيديولوجيا، ومشروع إمبراطوريّ واسع النطاق. التداعيات السياسية لمثل هذا التصور واضحة ومتعددة الأبعاد. فكيف يمكن تجاوز هذا المعطى، في حين أنّ البعد الأيديولوجيّ هو الّذي يحدد، في المقام الأول، مسار هذه المفاوضات ويرسم اتجاهها الاستراتيجيّ؟ لا يمكن فهم أي شيء من دون إدراك أيديولوجيا التوسع لدى النظام الإسلاميّ الإيرانيّ.
لقد قدّمت هذه الثورة الدينية نفسها منذ البداية على هذا الأساس، ولم تُخفِ يومًا نزعتها التوسعية الّتي تندرج ضمن خيال مستمد من السردية القرآنية، واللاهوت الشيعيّ، وتقليد المهدوية المنبثق عنه. يشوّه طابع الدبلوماسية التبادليّ العملية التفاوضية برمتها، ويحوّلها إلى رهانات إجرائية، بينما تكمن الإشكالية في مكان آخر تمامًا. ويتجاهل هذا الاختزال جوهر الرهانات المرتبطة بسياسة إمبراطورية تتقدم بلا مواربة. وعلى سبيل المقارنة، تستعير الثورة الإسلامية في إيران القاموس البلشفيّ، بشكل منهجيّ، و”تكنولوجيا السلطة” الّتي نشأت عنه. فكيف يمكن فهم السياسة السوفياتية بمعزل عن سرديتها الأيديولوجية؟ وينطبق الأمر عينه على الثورة الإسلامية في إيران.
لا يصمد هذا الاختزال إلى الطابع الإجرائيّ أمام الوقائع، بما يسمح بتفكيك دلالاته بشكل متماسط. فوضع المفاوضات الراهن لا يخرج عن الاستنتاجات الأولية لتفكيك الدبلوماسية الجارية وانعكاساتها السياسية. ويبدّل النظام الإيرانيّ أدواته التنفيذية، لكنّه لا يبدّل سرديته؛ فالسياسيّ والاستراتيجيّ ليسا سوى إعادة إنتاج لتفويضات الثورة الاسلامية. ومن المستحيل فهم البنية السياسية من دون إدراك التربة الأيديولوجية الّتي تتغذى منها. ويهيمن الخيط الأيديولوجيّ الناظم على جميع التحولات، ويكشف الترابط بين المتغيرات الّتي تشكّل هذا الصراع. فالتحديد الأيديولوجيّ يظل العنصر الحاسم في أي تحليل قطاعيّ.
تحاول الفصائل الحاكمة، في إطار تكتل يضم مجموعات تعيش حالة صراع خفيّ، الحفاظ على واجهة وحدة هشة عبر الإحالة إلى ولاية الفقيه بصيغتها المجتزأة. غير أنّ مسألة الخلافة المُفترضة تبقى في جوهرها بناءً تخييليًّا. فمجتبى خامنئي ليس سوى شخصية مصنَّعة جرى اختلاقها للحفاظ على واجهة متصدعة تعكس فراغات نظام مأزوم. وهذا هو الاعتراض الجوهريّ الّذي يمكن توجيهه لهذا المسار التفاوضيّ، إذ يطارد الظلال بدل مواجهة الواقع. فالنظام، في وضعه الراهن، أكثر هشاشة من أي وقت مضى، سواء على مستوى التآكل الأيديولوجيّ أو على مستوى الهزائم المتراكمة في مسارات الصراع.
من الصعب فهم كيف تتخلى الإدارة الأميركية عن حصيلتها العسكرية لصالح إعادة تأهيل نظام إيرانيّ مهزوم، لا مبرر لها. فالحجج العسكرية المقدمة تبدو واهية، وموقع إيران الاستراتيجيّ غير مثبت فعليًّا، كما تفتقر تحالفاتها المفترضة إلى أي قدرة ردعية حقيقية. كيف يمكن التفريط بهذا الكم من عناصر القوة الاستراتيجية، واعتماد مقاربة تنطلق من فراغات متراكمة والتباسات بنيوية؟ ومن السهل رصد الروابط العرضية الّتي تُنسج بين الملفات الاستراتيجية المطروحة على طاولة المفاوضات.
كيف يمكن أن يربط المفاوضون الإيرانيون بين فتح مضيق هرمز وتكريس “تحصين” حزب الله في جنوب لبنان؟ وكيف يمكن أن يقبل المفاوض الأميركيّ بهذا الربط، رغم رفضه له في بداية المسار؟ وما الّذي يفسر هذا التداخل بين رفع العقوبات المالية، وتحرير أموال إعادة الإعمار، والمراوغة المستمرة بشأن تخصيب اليورانيوم؟ نحن أمام إعادة إنتاج للسيناريوهات عينها الّتي طبعت مسارات التفاوض لعقود.
كيف يمكن تبرير الإبقاء على القدرات الصاروخية تحت ذريعة “الدفاع المشروع”، في حين أنّ الأمر يتعلق بنظام انتهج منذ سبعة وأربعين عامًا سياسة توسعية قائمة على التهديد، والتخريب، في الاتجاهات كافة؟
وتتجلى مسألة الأذرع العملياتية بوضوح في الحالة اللبنانية. فقد امتنعت الدبلوماسية الأميركية منذ البداية عن أي إقرار باستراتيجية إخضاع لبنان للنفوذ الإيرانيّ، كما يُمارس عبر ساحات الشرقيْن الأدنى والأوسط. وقد جرى إدراج لبنان في هذا المسار الإيرانيّ في اللحظة الّتي كانت فيها الولايات المتحدة تدير مسارات تفاوضية بين لبنان وإسرائيل. وهكذا، يشكل لبنان المنصة العملياتية الأبرز الّتي انطلقت منها سياسة القوة الإيرانية بأبعادها الثلاثة: الأيديولوجية، والجيوسياسية، والتنفيذية. وهو نقطة الارتكاز الّتي اعتمدها النظام لإعادة تثبيت ما تبقى من مكتسبات مشروعه في مواجهة الدينامية الأميركية – الإسرائيلية المضادة.
في المحصلة، كيف يمكن بناء مقاربة دبلوماسية تتجاهل عمدًا المتغير الأيديولوجيّ الّذي يقوم عليه هذا المسار، وتتعامل مع الملفات الاستراتيجية وكأنّها خلافات سياسية هامشية بين أطراف منتمية إلى منظومة قيم مشتركة؟ نحن أمام خلل بنيويّ في المقاربة، يُنتج مغالطات منهجية تقود إلى إعادة إنتاج الأزمات، وتعميق الانقسامات القائمة.
أمّا التبريرات المطروحة، سواء تلك المرتبطة بالاعتبارات العسكرية أو الدبلوماسية، بما فيها السعي إلى إتاحة فرص إضافية للتسويات التفاوضية، فلا يمكن أخذها بعين الاعتبار سوى ضمن شروط صارمة من التصحيحات المنهجية والزمنية واعتبارات مصلحة الدولة العليا، بما يمنع الانزلاق إلى الالتباس، وعودة الأوهام السياسية.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us