مظاهر عاشوراء في العاصمة تثير استياء الشارع البيروتي… وجدلٌ حول الشعائر

بينما يتمسّك المشاركون بحقهم في إحياء شعائرهم الدينية، يعبّر كثير من أبناء بيروت عن استيائهم من اتساع هذه المظاهر في مناطق مختلطة وحيوية، معتبرين أنّ الحفاظ على خصوصية العاصمة وطابعها التعددي يبقى ضرورياً لضمان العيش المشترك وتجنب أي توترات إضافية داخل المدينة
كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:
بالتزامن مع إحياء ذكرى عاشوراء، تصدّرت المظاهر العاشورائية المنتشرة في عدد من شوارع العاصمة بيروت واجهة النقاش العام، وسط حالة من الانقسام بين من يعتبرها جزءاً من الحرية الدينية المكفولة للجميع، وبين من يرى أنّ بعض الممارسات التي تُقام في الطرقات العامة تثير الاستياء وتؤدي إلى توترات داخل المدينة.
وخلال الأيام الماضية، اكتست شوارع وأحياء عدة بالرايات السوداء واللافتات العاشورائية، فيما أقيمت مجالس عزاء ومسيرات و”لطميات” في عدد من المناطق. إلا أنّ الجدل تصاعد بعد تداول مقاطع فيديو أظهرت إقامة مراسم عاشورائية في وسط الطريق العام في منطقة رأس بيروت، ما أثار موجة واسعة من التعليقات والانتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي.
اعتراضات من أبناء العاصمة
ولم يقتصر الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، بل امتد إلى أوساط واسعة من أبناء العاصمة الذين عبّروا عن تحفظهم على بعض هذه الممارسات.
وبحسب عدد من أبناء بيروت، فإنّ الاعتراض لا يتعلق بالمناسبة الدينية أو بحق الطائفة الشيعية في إحياء شعائرها، بل بطريقة تنظيم بعض النشاطات وانتقالها إلى شوارع رئيسية ومناطق غير معتادة على هذا النوع من التجمعات.
ويقول معترضون إنّ العاصمة، بما تمثله من تنوع وانفتاح، تحتاج إلى الحفاظ على طابعها الجامع، معتبرين أنّ إقامة “اللطميات” أو التجمعات الدينية في الطرقات العامة، مع ما قد يرافقها من إقفال للمسالك أو تعطيل لحركة السير، يسبب انزعاجاً لدى قسم من السكان والمارة.
ويرى بعض أهالي بيروت أنّ انتشار هذه المظاهر خارج بيئتها التقليدية يثير حساسيات لدى شرائح واسعة من المواطنين الذين يرفضون تحويل المساحات العامة المشتركة إلى ساحات ذات طابع طائفي أو مذهبي.
ويؤكد مصدر متابع للشأن البيروتي أنّ “الاعتراض لدى كثير من أبناء العاصمة لا يرتبط بالمناسبة نفسها، بل بطريقة إحيائها في مناطق حيوية ومختلطة يفترض أن تبقى مفتوحة لجميع المواطنين”.
بين الشعائر الدينية وحق المدينة
في المقابل، يؤكد المشاركون في هذه النشاطات أنّ عاشوراء تمثل مناسبة دينية مركزية لدى الطائفة الشيعية، وأنّ إحياءها يدخل ضمن إطار الحريات الدينية التي يكفلها القانون اللبناني.
وفي هذا السياق، أوضح عضو مجلس بلدية بيروت محمد بالوظة أنّ المظاهر العاشورائية تعبر عن طقوس وشعائر دينية مرتبطة بفترة زمنية محددة، مشيراً إلى أنّ النشاطات المقامة في العاصمة تتم بموجب تراخيص رسمية صادرة عن محافظ بيروت ووفق الأصول القانونية المعتمدة.
ويشدد بالوظة على أنّ “احترام التعددية اللبنانية يقتضي احترام حق مختلف الطوائف في التعبير عن مناسباتها الدينية، تماماً كما يحدث في مناسبات أخرى على امتداد الأراضي اللبنانية”.
إلا أنّ هذه المواقف لم تمر من دون ردود فعل في الشارع البيروتي، حيث عبّر بعض أبناء العاصمة عن امتعاضهم من اختزال النقاش بمسألة الحريات الدينية فقط، معتبرين أنّ القضية ترتبط أيضاً بطريقة تنظيم هذه النشاطات وتأثيرها على الحياة اليومية في المدينة.
هواجس من الاحتقان
ورغم ذلك، لا يخفي كثير من أبناء العاصمة مخاوفهم من أن تؤدي بعض الممارسات الميدانية إلى زيادة منسوب الاحتقان، خصوصاً في ظل الانقسامات السياسية والطائفية التي يعيشها لبنان.
ويؤكد هؤلاء أنّ الإشكال لا يكمن في إحياء الشعائر بحد ذاته، بل في كيفية إدارتها داخل مدينة شديدة الحساسية كمدينة بيروت، حيث يمكن لأي مشهد مثير للجدل أن يتحول سريعاً إلى مادة للسجال والانقسام.
كما يخشى عدد من الأهالي أن يؤدي تكرار هذه المشاهد في الشوارع الحيوية إلى توسيع دائرة التوتر بين المواطنين، في وقت تحتاج فيه العاصمة إلى مزيد من المساحات المشتركة التي تجمع سكانها.
ومع إحياء ذكرى عاشوراء اليوم، تتجه الأنظار إلى دور الأجهزة الأمنية والسلطات المحلية في تنظيم الحركة الميدانية ومنع أي إشكالات قد تنشأ في الشارع. وبينما يتمسك المشاركون بحقهم في إحياء شعائرهم الدينية، يعبّر كثير من أبناء بيروت عن استيائهم من اتساع هذه المظاهر في مناطق مختلطة وحيوية، معتبرين أنّ الحفاظ على خصوصية العاصمة وطابعها التعددي يبقى ضرورياً لضمان العيش المشترك وتجنب أي توترات إضافية داخل المدينة.




