ضرائب جديدة تطال كل شيء… وكأنها تمهيد لفاتورة إعادة الإعمار

يُتوقّع أن تؤمّن الرسوم الجديدة ما يقارب 370 مليون دولار سنوياً لخزينة الدولة، وهي مبالغ لن تأتي من مصادر إنتاجية أو إصلاحية مباشرة، بل ستُقتطع عملياً من القدرة الشرائية للمواطنين، سواء بشكل مباشر عبر ارتفاع الأسعار أو بشكل غير مباشر عبر كلفة الإنتاج والاستيراد، ما يعني أن المواطن سيكون المصدر الفعلي لتمويلها، في ظل اقتصاد يعاني أصلاً من تراجع الدخل وارتفاع معدلات التضخم
كتب أنطوان سعادة لـ”هنا لبنان”:
إلى المواطنين: استعدّوا لجولة جديدة من الرسوم والضرائب التي ستخرج مباشرة من جيوبكم. مرسومٌ جديد صادر عن وزارة البيئة يفتح الباب أمام نقاش واسع، بعدما نصّ على تعديل الرسوم المفروضة على المواد المُنتِجة للنفايات، ورفعها من 1% إلى 3% بحسب نوع كل منتج، تحت عنوان “الرسوم البيئية”.
لكن الإشكالية الأساسية لا تكمن في نسبة الزيادة وحدها، بل في ماهية هذه المواد التي ستُفرض عليها هذه الرسوم. فبحسب مضمون المرسوم، تشمل اللائحة طيفاً واسعاً من السلع الاستهلاكية اليومية التي لا يمكن الاستغناء عنها، ما يجعل أثره يمتد مباشرة إلى حياة المواطنين ومعيشتهم اليومية.
فالرسوم الجديدة تطال عملياً معظم السلة الاستهلاكية الأساسية، بدءاً من المواد الغذائية الأساسية مثل المأكولات والمشروبات، والألبان والأجبان، واللحوم والحبوب والسكر والزيوت والملح، وصولاً إلى المنتجات شبه اليومية كالأقمشة والملابس والورق، بل وتمتد في بعض الحالات إلى مكوّنات تدخل في صناعات أخرى مثل أجزاء من مستلزمات السيارات.
وبهذا المعنى، لا يبدو الأمر مجرد تعديل تقني في رسم بيئي، بل خطوة تُترجم فعلياً إلى كلفة إضافية ستُحمَّل للمستهلك النهائي بشكل غير مباشر، عبر ارتفاع أسعار عدد كبير من السلع والخدمات، تحت ذريعة حماية البيئة وتقليل النفايات.
هكذا، يجد المواطن نفسه أمام حلقة جديدة من الأعباء المعيشية، حيث تتداخل العناوين البيئية مع الواقع الاقتصادي الضاغط، في ظل غياب أي وضوح حول كيفية استخدام هذه الرسوم أو انعكاسها الفعلي على تحسين إدارة النفايات، ما يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول جدوى هذه الإجراءات وحدود تأثيرها على القدرة الشرائية للأسر.
ومن هذا المنطلق، يلفت نقيب مستوردي المواد الغذائية هاني بحصلي في حديثه إلى “هنا لبنان” إلى أن هذا القرار لا يقتصر فعلياً على المواد الغذائية وحدها، بل يطال مختلف أنواع السلع الاستهلاكية، ما يعني أنّ أثره سيكون واسعاً وشاملاً على السوق بأكملها.
ويشرح بحصلي أنّ انعكاسات هذا التعديل لن تبقى محصورة في خانة الاستيراد فقط، بل ستمتد بشكل مباشر إلى القطاع الصناعي الغذائي المحلي أيضاً، باعتبار أنّ جزءاً كبيراً من الصناعات يعتمد على استيراد مواد أولية تدخل في عمليات الإنتاج. وبالتالي، فإنّ أي كلفة إضافية تُفرض على هذه السلسلة ستنتقل حتماً إلى المستهلك النهائي، في وقت يعاني فيه المواطن أساساً من ضغوط معيشية خانقة وتراجع في القدرة الشرائية.
ويضيف أنّ المبدأ قد يكون مفهوماً في بعض القطاعات ذات الأثر البيئي الواضح، مثل الإطارات المطاطية (الكوتشوك) أو إطارات السيارات، حيث يمكن تبرير فرض رسوم بيئية بسبب ضررها المباشر على البيئة. لكن الإشكالية، برأيه، تكمن في شمول مواد أساسية كالسكر والملح والزيت بهذه الرسوم، رغم عدم وجود أي أثر بيئي مباشر يبرر ذلك، ما يثير علامات استفهام حول منطقية التوسّع في لائحة السلع المشمولة.
ويعتبر بحصلي أنّ هذا التوجه لا يمكن قراءته فقط في سياق بيئي، بل يبدو أقرب إلى وسيلة غير مباشرة لفرض رسوم إضافية وتأمين إيرادات لصالح خزينة الدولة، تحت عنوان بيئي، في وقت يُفترض فيه أن تكون الأولوية لتخفيف الأعباء عن المواطنين لا زيادتها.
إنّ الرسوم الجديدة، وفق التقديرات الأولية، يُتوقّع أن تؤمّن ما يقارب 370 مليون دولار سنوياً لخزينة الدولة، وهي مبالغ لن تأتي من مصادر إنتاجية أو إصلاحية مباشرة، بل ستُقتطع عملياً من القدرة الشرائية للمواطنين، سواء بشكل مباشر عبر ارتفاع الأسعار أو بشكل غير مباشر عبر كلفة الإنتاج والاستيراد.
وبمعنى أوضح، فإنّ هذه الإيرادات لا تُعدّ موارد “جديدة” بقدر ما هي إعادة توزيع لكلفة إضافية تُحمَّل على السلع الأساسية والاستهلاكية، ما يعني أن المواطن سيكون المصدر الفعلي لتمويلها، في ظل اقتصاد يعاني أصلاً من تراجع الدخل وارتفاع معدلات التضخم.
وفي السياق نفسه، يؤكد عضو مجلس إدارة جمعية الصناعيين بول أبي نصر أن هذه الرسوم والضرائب لم تأتِ نتيجة دراسة اقتصادية معمّقة لآثارها على الاقتصاد اللبناني أو على معدلات التضخم، متسائلاً عن مدى قانونية آلية فرضها، وما إذا كان قد جرى فعلاً التشاور مع القطاع الخاص لتقييم انعكاساتها على الإنتاج والأسعار.
ويشير أبي نصر إلى أنّ القطاع الخاص يرزح أساساً تحت أعباء متراكمة، سواء نتيجة تداعيات الحرب أو الرسوم والضرائب التي فُرضت سابقاً، ما يجعل أي كلفة إضافية عبئاً جديداً على دورة الإنتاج والاستثمار بدل أن تكون عاملاً مساعداً على التعافي.
ويضيف أنّ ما يجري يطرح علامات استفهام حول طريقة معالجة الملف، معتبراً أنّ هناك نوعاً من “المحايلة” في مقاربة الموضوع، حيث تُفرض الرسوم من دون رؤية اقتصادية شاملة أو مقاربة إصلاحية متكاملة.
كما يتوقف عند نقطة أساسية تتعلق بوجهة استخدام هذه الأموال، متسائلاً عن وجود أي خطة واضحة ومعلنة لإدارة ملف النفايات والبنى التحتية البيئية، لافتاً إلى أنه “حتى اللحظة لا توجد خطة فعلية”، ما يفتح النقاش حول الهدف الحقيقي من هذه الرسوم ومدى ارتباطها بالإصلاح البيئي الموعود.
وتتزايد المخاوف من أن تُوظَّف هذه الرسوم كمصدر تمويل إضافي يُوجَّه، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى أعمال ترتبط بإعادة الإعمار، خصوصاً في ما يتصل برفع الأنقاض والردميات والتعامل معها على أنها “نفايات” تقع ضمن مهام الهيئة العليا لإدارة النفايات أو وزارة البيئة.
وهنا تحديداً يبرز جوهر الإشكال: إذا كانت هذه الأموال ستُحوَّل فعلياً إلى هذا الإطار، فإنّ المواطن اللبناني، الذي لم يختر الحرب ولم يشارك في قرارها، يجد نفسه عملياً المموّل لكلفة نتائجها، عبر ضرائب ورسوم تُفرض عليه تحت عناوين بيئية وإدارية!




