لبنان بعد اتفاق الإطار: نهاية زمن المحاور؟


خاص 29 حزيران, 2026

يقف لبنان اليوم عند مفترق تاريخي حقيقي؛ إما أن يكرّس اتفاق الإطار بداية استعادة قرار الدولة اللبنانية من قبضة المحاور والحسابات الأميركية الإيرانية، وإما أن يُجهض تحت ضغط من اعتادوا الاستثمار في الخراب. وفي لحظات كهذه، لا يكون السؤال من يربح سياسياً، بل من ينقذ لبنان فعلياً. لأنّ الدولة ليست شعاراً على لوحة تُحرق، بل مشروع وطن إذا سقط، سقط الجميع معه!

كتب طوني كرم لـ”هنا لبنان”:

لم يكن إحراق اللوحات التي حملت شعاري “لبنان أولاً” و”الدولة بتجمعنا” على طريق المطار، مجرد حادثة تخريب عابرة، بل بدا كفعل سياسي ممنهج، يعكس حجم الصراع القائم على هوية لبنان وخياراته. فحين تُحرق رمزية الدولة بهذه السرعة، يصبح واضحاً أنّ الأزمة لم تعد خلافاً سياسياً داخلياً، بل مواجهة مفتوحة بين مشروعين: مشروع الدولة ومشروع الإرتهان بالمحور الإيراني.
المفارقة أنّ إحراق تلك اللوحات جاء بعد ساعات فقط من توقيع اتفاق الإطار اللبناني الإسرائيلي برعاية أميركية، وهو الاتفاق الذي أعاد، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، الملف اللبناني إلى مكانه الطبيعي؛ بين الدولة اللبنانية والدولة الإسرائيلية، بعيداً من تحويله إلى بند تفاوضي ضمن بازار واشنطن وطهران في سويسرا.
هذا التحول ليس تفصيلاً. فلبنان، الذي ظل لعقود ورقة تفاوض إقليمية تستخدمها إيران لتحسين شروطها مع الغرب، نجح اليوم في انتزاع هذه الورقة وإعادتها إلى مؤسسات الدولة. وهنا تكمن أهمية الاتفاق، لا فقط في وقف الحرب أو تنظيم الانسحاب الإسرائيلي، بل في تكريسه مبدأً بالغ الحساسية، يؤكّد أنّ قرار الحرب والسلم بات شأناً لبنانياً سيادياً، تتولاه الدولة وحدها.
في بنوده الأربعة عشر، يفتح الاتفاق نافذة جدية أمام استعادة الدولة سلطتها الكاملة، عبر انتشار الجيش اللبناني على كامل الأراضي الجنوبية، ونزع سلاح الجماعات المسلحة غير الشرعية، وبدء انسحاب إسرائيلي تدريجي، بما يعيد تثبيت معادلة الدولة كمرجعية وحيدة للأمن الوطني. وهذا بحد ذاته تحول استراتيجي في بنية النظام اللبناني، إذا ما أحسن استثماره.
في المقابل، جاءت مواقف حزب الله وحلفائه رافضة بعنف، مستخدمة مفردات التخوين والفتنة والعار. وهي لغة تكشف أكثر مما تخفي. إذ إنّ المشكلة الفعلية بالنسبة إلى هذه القوى لا تكمن في مضمون الاتفاق، بل في سقوط احتكارها للقرار الوطني. فحين يصبح لبنان قادراً على التفاوض باسمه، تنتفي الحاجة إلى الوسيط المسلح، وتسقط سردية “المقاومة” كبديل عن الدولة.
الأخطر في هذا السياق، أنّ بعض هذه المواقف لم تكتفِ برفض الاتفاق، بل ذهبت إلى التهديد الضمني بالفوضى أو الحرب الأهلية، وكأنّ حصرية السلاح بيد الدولة باتت مشروع فتنة، فيما استمرار السلاح خارجها يُقدَّم كضمانة وطنية. هذه المعادلة هي التي أوصلت لبنان إلى الكارثة: أكثر من أربعة آلاف قتيل في الحرب الأخيرة، دمار واسع، نزوح جماعي، وانهيار اقتصادي إضافي، وكل ذلك نتيجة قرار ميليشيوي إيراني، على حساب قضم الدولة.
صحيح أنّ الاتفاق لا يخلو من تعقيدات، ولا تزال بعض بنوده تحتاج إلى توضيحات وضمانات، خصوصاً لجهة الانسحاب الإسرائيلي الكامل وعودة النازحين وإعادة الإعمار. لكن المعيار الأساسي ليس الكمال، بل الاتجاه. والاتجاه هنا واضح: تثبيت دور الدولة اللبنانية كمفاوض، وكصاحبة قرار، وكمرجعية سيادية قائمة بذاتها.
المطلوب اليوم ليس السجال العقيم حول الماضي، ولا إعادة إنتاج خطاب التعبئة الذي استنزف لبنان لعقود، بل الالتفاف حول فرصة نادرة لإعادة بناء الدولة من الجنوب. فتجارب، لا بل جولات الحروب التي انتهجتها الميليشيات، أثبتت أنّ الحروب المفتوحة لم تحرر لبنان، بل أضعفته، وأنّ الارتهان للخارج، أيّاً كان، يرتد حكماً على جميع المكونات اللبنانية، والطائفة الشيعية في طليعتهم.
لذا، يقف لبنان اليوم عند مفترق تاريخي حقيقي؛ إما أن يكرّس اتفاق الإطار بداية استعادة قرار الدولة اللبنانية من قبضة المحاور والحسابات الأميركية الإيرانية، وإما أن يُجهض تحت ضغط من اعتادوا الاستثمار في الخراب، وفي طليعتهم وجوه الطغمة الحاكمة التي عززت حضورها في أوج الحرب الأهلية. وفي لحظات كهذه، لا يكون السؤال من يربح سياسياً، بل من ينقذ لبنان فعلياً. لأنّ الدولة، في نهاية المطاف، ليست شعاراً على لوحة تُحرق، بل مشروع وطن إذا سقط، سقط الجميع معه.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us