رهان أميركي على اتفاق الإطار… وضغوط لكبح الاعتراضات في لبنان وإسرائيل


خاص 1 تموز, 2026

أبرز عوامل نجاح الاتفاق الإطاري يتمثّل في الرعاية الأميركية المباشرة، لأن واشنطن لا تؤدي دور الوسيط فحسب، بل تتولى دور الراعي الضامن لتنفيذ الاتفاق، فزيارة قائد القيادة المركزية الأميركية إلى لبنان، تعكس متابعة أميركية حثيثة لآليّات التنفيذ، بعدما أصبح التحدّي الأساسي هو الانتقال من مرحلة التوقيع إلى التطبيق الفعلي.

كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:

شكّل اتفاق الإطار الموقّع بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة تحوّلًا سياسيًّا لافتًا، باعتباره يفتح الباب أمام مرحلة جديدة في مسار العلاقة بين البلدين، ويضع لبنان أمام استحقاقات داخلية وإقليمية تتجاوز حدود الاتفاق نفسه. وبينما تراهن واشنطن على إنجاح مسار التنفيذ عبر مزيج من الضّغوط والحوافز، تتباين المواقف اللبنانية والإقليمية حيال تداعياته، في ظلّ تساؤلات حول قدرة الاتفاق على إعادة رسم موازين القوى في الداخل اللبناني، وفصل السّاحة اللبنانية عن الصراعات الإقليمية، ولا سيما النفوذ الإيراني.

يرى الكاتب السياسي يوسف قاسم أنّ اتفاق الإطار يُشكّل محطة مفصليّة في إعادة رسم العلاقة بين لبنان وإيران، معتبرًا أن هناك رهانًا أميركيًّا ولبنانيًّا كبيرًا على نجاحه في فصل المسارَيْن اللبناني والإيراني، وإنهاء استخدام لبنان كورقة تفاوض إقليمية.

ويقول قاسم إنّ إيران سعت خلال المرحلة الماضية إلى تثبيت لبنان بندًا أساسيًّا في أي تفاوض مع الولايات المتحدة، في رسالةٍ مفادها أن القرار اللبناني لا يزال جزءًا من نفوذها السياسي. إلّا أنّ الاتفاق الحالي، بحسب تقديره، يهدف إلى انتزاع هذه الورقة من يد طهران، بما يمنع إعادة توظيف السّاحة اللبنانية في أي مفاوضات مستقبلية، معتبرًا أنّ نجاح الاتفاق الحقيقي سيُقاس بمدى القدرة على تطبيقه على أرض الواقع.

ويُشير إلى أنّ العقبة السياسية الأبرز أمام تنفيذ الاتفاق تبقى مرتبطةً بالموقف الإيراني، إذ إنّ رفض طهران له سينعكس تلقائيًّا على موقف حزب الله. ويرى أنّ إصرار إيران على إفشال الاتفاق قد يدفع الحزب إلى التصعيد الداخلي، سواء عبر الضغط على السلطة الشرعية أو محاولة إسقاط الحكومة والاتفاق من خلال الشارع، ما يفتح الباب أمام مرحلة من التوتّر السياسي والأمني.

في المقابل، يلفت قاسم إلى الدور الذي لعبه رئيس مجلس النواب نبيه بري، معتبرًا أنّه تعامل مع التطوّرات بحذر، إذ رفع سقف خطابه السياسي لاستيعاب حالة الغضب داخل البيئة الشيعية، لكنّه امتنع عن اتخاذ خطوات عملية قد تؤدي إلى تفجير الوضع الداخلي، فلم يدعُ إلى تحركات شعبية أو إلى الانسحاب من الحكومة، بل وجّه رسائل تدعو إلى تجنّب الفتنة والانزلاق نحو المواجهة الداخلية. ويعتبر قاسم أنّ هذا الموقف أسهم في احتواء احتمالات التصعيد، ومنع الانزلاق إلى صدامٍ أهليّ يخشاه جميع اللبنانيين.

ويؤكد أنّ تداعيات الاتفاق لن تقتصر على الداخل اللبناني، بل ستمتدّ إلى الإقليم بأكمله، مُشيرًا إلى أن التحرّكات الدّبلوماسية العربية والإقليمية، ومنها الانفتاح السوري على لبنان، تعكس حجم الاهتمام بمسار الاتفاق. كما يرى أنّ العالم العربي ينظر إلى لبنان باعتباره جزءًا من منظومة الأمن العربي، وأنّ أي اتفاق أمني قد يتطوّر لاحقًا إلى ترتيبات سياسية أوسع ستكون له انعكاسات تتجاوز الحدود اللبنانية.

ويعتقد قاسم أنّ الاتفاق، في حال تطبيقه، سيؤدّي إلى تغيير جذري في موازين القوى داخل لبنان، لأنّه يُنهي، وفق تقديره، المشروع الذي بناه حزب الله على مدى أربعة عقود، سواء من حيث دوره العسكري أو نفوذه السياسي. ويُضيف أن تنفيذ الاتفاق سيعني انتقال ملف الأمن والدفاع بالكامل إلى مؤسّسات الدولة اللبنانية، بما يحوّل حزب الله إلى حزب سياسي يعمل ضمن مؤسسات الدولة وسقفها القانوني.

كما يرى أنّ الاتفاق يُشكّل جزءًا من عملية إعادة ترتيب شاملة للمنطقة، قد تنتهي باعتراف إيراني بالدولة اللبنانيّة مرجعيةً وحيدةً في القرارات السيادية، والتخلّي عن سياسة إدارة النفوذ عبر الأذرع المسلحة. ويُحذّر، في المقابل، من أنّ فشل هذا المسار قد يُعيد إيران لاعبًا إقليميًّا أكثر نفوذًا، بما يسمح لها باستعادة حضورها في لبنان والعراق واليمن، وربّما سوريا، وهو ما قد يُعيد المنطقة إلى مرحلةٍ أكثر تعقيدًا من الصراعات.

وفي قراءة موازية، يركّز الصحافي والكاتب السياسي نايف عازار على البُعد التنفيذي للاتفاق، معتبرًا أنّ توقيع اتفاق الإطار يُمثّل محطة تاريخية في مسار العلاقات اللبنانية – الإسرائيلية، لأنّ أي اتفاق من هذا النوع يُشكّل نقطة انطلاق نحو تفاهمات أوسع قد تُفضي مستقبلًا إلى اتفاقات سلام، ما يجعل العودة إلى ما قبل توقيعه أمرًا بالغ الصعوبة.

ويؤكد عازار أن أبرز عوامل نجاح الاتفاق يتمثّل في الرعاية الأميركية المباشرة، موضحًا أن واشنطن لا تؤدي دور الوسيط فحسب، بل تتولى دور الراعي الضامن لتنفيذ الاتفاق. ويستشهد بزيارة قائد القيادة المركزية الأميركية إلى لبنان، معتبرًا أنها تعكس متابعة أميركية حثيثة لآليّات التنفيذ، بعدما أصبح التحدّي الأساسي هو الانتقال من مرحلة التوقيع إلى التطبيق الفعلي.

ويلفت إلى أنّ لبنان بدأ يلمس أولى النتائج الإيجابية للاتفاق، من خلال إعلان الولايات المتحدة تقديم مساعدات بقيمة 30 مليون دولار للجيش اللبناني، و100 مليون دولار كمساعدات إنسانية، إلى جانب الحديث عن حزم دعم إضافية مرتبطة بمستوى التقدم في التنفيذ.

وبحسب عازار، تعتمد الإدارة الأميركية سياسة “الخطوة مقابل الخطوة”، بحيث يقابل كل تقدم في تنفيذ الاتفاق بتقديم حوافز اقتصادية ومالية للبنان، بالتوازي مع فرض عقوبات على الجهات التي تُعرقل مساره، سواء كانت حزب الله أو شخصيات سياسية يُعتقد أنها تُعيق التنفيذ.

ويرى أنّ الاتفاق يتجه نحو التطبيق، وإن كان ذلك بصورة تدريجيّة، نظرًا إلى طبيعة العلاقة العدائية الممتدّة بين لبنان وإسرائيل، التي تجعل تنفيذ بنوده يحتاج إلى وقت وإجراءات متدرّجة.

وعلى الصعيد الداخلي، يعتبر عازار أنّ اعتراض حزب الله كان متوقّعًا، إلّا أنّ التحرّكات التي شهدها الشارع بقيت ضمن سقوف مضبوطة، في ظلّ قرار الجيش اللبناني منع قطع الطرقات والحفاظ على الاستقرار الأمني. كما يلفت إلى وجود تمايز في مقاربتَيْ حركة أمل وحزب الله، مشيرًا إلى أن عدم مشاركة مُناصري الحركة في تحركات الحزب يعكس تباعدًا تدريجيًا في الموقف بين الطرفَيْن.

ويضيف أن الحوافز الأميركية لا تقتصر على المساعدات المالية، بل تشمل أيضًا إعادة الانفتاح العربي على لبنان، مُستشهدًا بقرار دولة الإمارات رفع الحظر عن سفر مواطنيها إلى لبنان، وقرار المملكة العربية السعودية إعادة فتح الباب أمام الصّادرات اللبنانية، معتبرًا أن هذه الخطوات تعكس استعادة الثقة العربية بالدولة اللبنانية ومؤسساتها.

في المقابل، يعزو عازار استمرار اعتراض حزب الله إلى الموقف الإيراني الرّافض لأن تتولى الدولة اللبنانية وحدها التفاوض مع إسرائيل، خلافًا لمحطات سابقة كان الحزب وحركة أمل شريكَيْن فيها، معتبرًا أنّ الحزب سيواصل محاولات عرقلة المسار، لكنه لن يتمكن من وقفه.

أمّا في إسرائيل، فيرى عازار أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعامل مع الاتفاق تحت وطأة الضغوط الأميركية، وقد يتّجه خلال المرحلة المقبلة إلى تشديد مواقفه مع اقتراب انتخابات الكنيست، في إطار حساباته السياسية الداخلية.

وبينما تختلف زاوية مقاربة كل من يوسف قاسم ونايف عازار، فإنّ قراءتيهما تلتقيان عند نقطة أساسية، وهي أن اتفاق الإطار تجاوز كونه مجرّد تفاهم أمني ليصبح محطةً سياسيةً وإقليميةً مفصليّةً، قد تُعيد رسم موازين القوى في لبنان والمنطقة. وبين فرص النجاح التي تعزّزها الرعاية الأميركية، والعقبات المرتبطة بالمواقف الداخلية والإقليمية، يبقى مستقبل الاتفاق مرهونًا بقدرته على الصمود أمام اختبار التنفيذ، باعتباره التحدّي الحقيقي الذي سيحدّد مآلاته خلال المرحلة المقبلة.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us