تفعيل التعاون اللبناني- السوري: فرص جديدة في الطاقة والتجارة والاستثمار


خاص 3 تموز, 2026

تبدو العلاقات الاقتصادية بين لبنان وسوريا أمام فرصة لإعادة التموضع أكثر مما هي أمام مسار مكتمل المعالم. فبين الحراك السياسي الذي أعاد فتح قنوات التواصل، والمشاريع المطروحة في الطاقة والنقل والتجارة، تبقى الفجوة واسعة بين الإعلان والتنفيذ، وبين الرغبة في التعاون والقدرة على ترجمته إلى نتائج ملموسة على الأرض

كتب أنطوان سعادة لـ”هنا لبنان”:

تدخل العلاقات الاقتصادية بين لبنان وسوريا مرحلة جديدة عنوانها إعادة تنظيم المصالح الاقتصادية بعد سنوات من الجمود والتشابك. فمع زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت، عاد ملف التعاون الاقتصادي إلى الواجهة، وسط مساعٍ لإعادة بناء قنوات التواصل ووضع إطار مؤسساتي جديد للعلاقة الاقتصادية بين البلدين، تُرجم بالإعلان عن تشكيل مجلس أعمال لبناني–سوري.
غير أنّ هذا الحراك، على الرغم من زخمه السياسي والاقتصادي، لا يزال يثير تساؤلات حول قدرته على إحداث تحول حقيقي في العلاقات الاقتصادية، في ظل ملفات عالقة تتجاوز التجارة والاستثمار، وتمتد إلى المعابر، والنقل، والطاقة، والرسوم الجمركية، فضلاً عن التحديات المالية والعقوبات التي لا تزال ترخي بظلالها على أي تعاون اقتصادي بين البلدين. فهل تشكل هذه الزيارة نقطة انطلاق لمرحلة اقتصادية جديدة، أم أنها ستبقى محصورة في إطار النوايا والتفاهمات من دون ترجمة عملية على الأرض؟
يتصدر ملف الطاقة، ولا سيما الربط الكهربائي وخط الغاز العربي، جدول الاهتمامات بين لبنان وسوريا، باعتباره أحد أبرز المشاريع القادرة على تحقيق نتائج اقتصادية مباشرة للبلدين. فمع عودة الحديث عن تفعيل التعاون الثنائي، عاد هذا الملف إلى الواجهة بعد سنوات من التوقف، وسط خطوات عملية لإعادة تأهيل البنية التحتية اللازمة لتشغيله.
وبحسب المعطيات، أنجزت سوريا أعمال تأهيل الشبكات وخطوط الأنابيب الواقعة على أراضيها، فيما بدأ لبنان، عبر وزارة الطاقة، تنفيذ أعمال صيانة وإعادة تأهيل الجزء الممتد من الحدود السورية وصولاً إلى معمل دير عمار، تمهيداً لإعادة تشغيل خط الغاز العربي.
وفي هذا الإطار، كان قد أعلن وزير الطاقة والمياه جوزيف الصدي أنّ الوزارة باشرت بإعادة تأهيل نحو 30 كيلومتراً من خط الغاز الممتد بين دير عمار والحدود السورية، وتنتهي الأعمال خلال الأشهر المقبلة، مؤكداً أنه فور جهوزية هذا المقطع، سيصبح لبنان قادراً على استئناف استيراد الغاز الطبيعي القادم من مصر عبر الأردن وسوريا، وهو ما من شأنه أن يرفع إنتاج الكهرباء ويؤمّن ساعات تغذية إضافية، في حال استُكملت سائر المتطلبات التقنية والمالية والتنظيمية.
ولا يقتصر التعاون الاقتصادي بين لبنان وسوريا على ملفات الطاقة والنقل، بل يمتد أيضاً إلى التبادل التجاري، الذي يُعدّ أحد أبرز ركائز العلاقة الاقتصادية بين البلدين، رغم أنه لا يزال دون الإمكانات الحقيقية التي تسمح بها الجغرافيا والتكامل بين السوقين.
وبحسب تقديرات صادرة عن اتحاد الغرف السورية، تجاوز حجم التبادل التجاري الرسمي بين البلدين 230 مليون دولار خلال عام 2024، توزّع بين واردات لبنانية من سوريا بقيمة تقارب 133 مليون دولار، وصادرات لبنانية إلى السوق السورية تجاوزت 100 مليون دولار. إلا أنّ هذه الأرقام لا تعكس الحجم الفعلي للعلاقات التجارية، إذ يؤكد عاملون في القطاع الخاص أنّ جزءاً مهماً من المبادلات لا يزال يتم خارج القنوات الرسمية، سواء عبر التهريب أو المعابر غير النظامية، ما يجعل الاقتصاد الموازي شريكاً أساسياً في الحركة التجارية بين البلدين.
وتتنوع السلع المتبادلة بين الجانبين، إذ تصدّر سوريا إلى لبنان الخضار والفواكه والحمضيات، والزيوت النباتية، والمنتجات الغذائية المصنعة، إلى جانب المواد البلاستيكية والزجاجية، والألبسة، وعدد من المنتجات الزراعية الموسمية. أما لبنان، فيصدّر إلى سوريا الآلات والمعدات الصناعية، والمنتجات الكهربائية، ومستلزمات التعبئة والتغليف، والمواد البلاستيكية، إضافة إلى عدد من المنتجات الغذائية، فضلاً عن الخدمات التجارية وإعادة التصدير، التي لا تزال تشكّل أحد عناصر القوة في الاقتصاد اللبناني.
في المحصلة، تبدو العلاقات الاقتصادية بين لبنان وسوريا أمام فرصة لإعادة التموضع أكثر مما هي أمام مسار مكتمل المعالم. فبين الحراك السياسي الذي أعاد فتح قنوات التواصل، والمشاريع المطروحة في الطاقة والنقل والتجارة، تبقى الفجوة واسعة بين الإعلان والتنفيذ، وبين الرغبة في التعاون والقدرة على ترجمته إلى نتائج ملموسة على الأرض.
فالمشاريع الكبرى، من خط الغاز العربي إلى التبادل التجاري، ما زالت رهينة عوامل تقنية ومالية وسياسية معقدة، فيما يستمر الاقتصاد غير النظامي في لعب دور موازٍ يعكس عمق الاختلالات البنيوية في العلاقة بين البلدين.
وبينما يراهن البعض على أنّ المرحلة الحالية قد تشكل مدخلاً لإعادة بناء شراكة اقتصادية أكثر استقراراً، يبقى السؤال مفتوحاً: هل نحن أمام بداية مسار اقتصادي جديد فعلاً بين بيروت ودمشق، أم أمام إعادة تدوير للعناوين نفسها بانتظار ظروف إقليمية أكثر نضجاً تسمح بتحويل التفاهمات إلى واقع فعلي؟

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us