اتفاق الإطار… اختبار الدولة قبل إسرائيل!

كرّر الرئيس جوزاف عون، في أكثر من مناسبة، أنّ لبنان لن يكون ساحةً لحروب الآخرين، ولا منصّة لتصفية حسابات المحاور الإقليمية. واليوم، للمرّة الأولى منذ سنوات، تبدو هذه المقولة أمام اختبار عملي لا يحتمل الالتباس. فإمّا أن تتحوّل إلى سياسة دولة تُنفّذ بقرارات واضحة وخطوات عملية، وإمّا أن يبقى لبنان عالقًا في الحلقة نفسها التي جعلت سيادته رهينةً للتوازنات الإقليمية.
كتب طوني كرم لـ”هنا لبنان”:
ليست المشكلة في لبنان اليوم في “اتفاق الإطار” بحدّ ذاته، بل في لحظة الحقيقة التي فرضها هذا الاتفاق على الدولة اللبنانية. فبعد عقود من إدارة الصراع عبر تسويات هشّة وشعارات متناقضة، باتت السلطة أمام استحقاق سياسي وأمني لا يحتمل التأجيل: إما أن تثبت قدرتها على استعادة القرار السيادي كاملًا، أو أن تبقى أسيرة موازين القوى الميليشياوية التي عطّلت قيام الدولة وأفقدت مؤسّساتها قدرتها على ممارسة دورها الطبيعي.
في هذا السياق، لا يمكن فصل إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تمسّكه بالبقاء على طول “الخط الأصفر” عن الحراك السياسي المُتسارع بين بيروت وواشنطن، ولا عن الحديث المُتنامي حول احتمال استقبال الرئيس الأميركي دونالد ترامب لرئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، بالتزامن مع لقائه المرتقب مع نتنياهو. وعلى الرغم من أن الحديث عن لقاء ثلاثي لا يزال في إطار الاحتمالات، فإنّ مجريات الأحداث توحي بأن الإدارة الأميركية تعمل على بلورة مقاربةٍ جديدةٍ للملف اللبناني، تتجاوز إدارة الأزمة إلى محاولة إنتاج تسوية مُستدامة، تجعل أمن الحدود الجنوبية جزءًا من إعادة رسم التوازنات الإقليمية – ترامبيًّا!
في المقابل، تبدو إسرائيل وقد حسمت أولويّاتها الميدانية. فهي لا تربط انسحابها بمجرّد التوصّل إلى تفاهم سياسي، بل بتوافر ضمانات فعليّة تمنع إعادة بناء القدرات العسكرية التي تعتبرها مصدر تهديد مباشر، وفي مقدمتها البنية المسلّحة التابعة لـ”حزب الله”. ومن هنا، لم يعد جوهر اتفاق الإطار يدور حول خطوط الانسحاب أو توقيته، بل حول الجهة التي ستتولّى ملء الفراغ الأمني بعده، وقدرة الدولة اللبنانية على فرض سلطتها الحصرية على كامل المنطقة الحدوديّة.
الواقع الذي أفرزته الحرب المُتمادية يجعل هذه المهمّة أكثر تعقيدًا. فقد فرض الجيش الإسرائيلي وقائع ميدانيّة جديدة، ودمّر جانبًا واسعًا من البُنية العسكرية التي كان يعتبرها تهديدًا مباشرًا، فيما بقيت الدولة اللبنانية عاجزةً عن بسط سلطتها الكاملة على المناطق الحدودية، سواء بفعل استمرار الاحتلال الإسرائيلي، أو نتيجة ازدواجية القرار الأمني داخل الأراضي اللبنانية، واتساع الفجوة بين القرارات الرسمية وغياب أي خطوات تنفيذية تُترجمها على الأرض.
عند هذه النقطة، تنتقل الأزمة من الحدود إلى الدّاخل اللبناني. فالقضية لم تعد مرتبطة بما إذا كانت إسرائيل ستنسحب، بل بما إذا كانت الدولة ستلتزم بتنفيذ ما تعهّدت به أمام اللبنانيين والمجتمع الدولي. فالقرارات الحكوميّة، كما خطاب القَسَم الرّئاسي، كرّست مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة، ومنع أي تنظيم مسلح من ممارسة دورٍ أمنيٍّ أو عسكريٍّ خارج المؤسّسات الشرعية. لذلك، لم يأتِ اتفاق الإطار بالتزامات جديدة، بقدر ما أعاد وضع التزامات الدولة نفسها أمام اختبار التنفيذ، وربط نجاحه بمدى قدرتها على الوفاء بها.
من هنا، تبدو محاولة تصوير الاتفاق على أنّه مجرّد تنازل سياسي أو استجابة لضغوط خارجية قراءةً تختزل المشهد. فالمُعادلة التي تتبلْور اليوم تربط بين الانسحاب الإسرائيلي واستعادة الدولة اللبنانية كامل وظائفها السيادية، وفي مقدمتها إنهاء ظاهرة السلاح الميليشياوي، انسجامًا مع الدستور والقرارات الحكومية والقرارات الدولية. وبذلك، لا يعود السؤال موجّهًا إلى حزب أو فريق سياسي بعينه، بل إلى الدولة نفسها: هل تحتكر وحدها قرار الحرب والسلم، أم يبقى هذا القرار بيد قوى الأمر الواقع، بما فيها الأذرع المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني؟
وقد كرّر الرئيس جوزاف عون، في أكثر من مناسبة، أن لبنان لن يكون ساحةً لحروب الآخرين، ولا منصّة لتصفية حسابات المحاور الإقليمية. واليوم، للمرّة الأولى منذ سنوات، تبدو هذه المقولة أمام اختبار عملي لا يحتمل الالتباس. فإمّا أن تتحوّل إلى سياسة دولة تُنفّذ بقرارات واضحة وخطوات عملية، وإمّا أن يبقى لبنان عالقًا في الحلقة نفسها التي جعلت سيادته رهينةً للتوازنات الإقليمية، وأدخلته في حروبٍ تجاوزت مصالح اللبنانيين وإرادتهم.
من هنا، تكمن الأهمية الحقيقيّة لاتفاق الإطار في تحقيق مطالب اللبنانيين. فهو لا يختبر إسرائيل بقدر ما يختبر الدولة اللبنانية نفسها. فالسيادة لم تعد شعارًا سياسيًّا يُرفع في الخطابات، بل مسؤولية تنفيذية تفرض احتكار الدولة وحدها للسلطة والسلاح والقرار. وعندما يتحقق ذلك، يصبح الانسحاب الإسرائيلي نتيجةً طبيعيةً، لا بندًا تفاوضيًا، ويغدو تحرير الأرض مُتلازمًا مع تحرير الدولة من كل أشكال الوصاية والارتهان، أيًّا كان مصدرها، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها الاستقرار، واستعادة الثقة، وعودة لبنان إلى موقع الدولة لا الساحة.
مواضيع مماثلة للكاتب:
لبنان بعد اتفاق الإطار: نهاية زمن المحاور؟ | هرمز يقلب المعادلة… ويُسقط الكرة في ملعب الحلفاء | المعادلة الساقطة: سوق المقايضات الكبرى… ولبنان |




