الحزب والتفكير خارج التابوت!


خاص 6 تموز, 2026

على الرغم من فترة السماح الأميركية لإيران و”الحزب”، ذهبت محطة “المنار”، الناطقة باسم الحزب، إلى بثّ شريط مصوّر بعنوان “عون للعدو… ذلّ للبنان”، ردّت فيه مباشرة على مواقف رئيس الجمهورية جوزاف عون، الذي لا يتنازل أمام الضغوط. فبات واضحًا، بما لا لبس فيه، أن سلوك “الحزب” تجاه المسار السيادي في لبنان ينطبق عليه قول الشاعر: “إذا أنت أكرمت اللئيم تمرّدا.”

كتب أحمد عياش لـ”هنا لبنان”:

منح تشييع المرشد الإيراني علي خامنئي، الذي انطلق الجمعة في طهران، مهلة أسبوع كي تستريح المفاوضات بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران. لكنّ استراحة الأسبوع لم تسرِ على الحرب الإسرائيلية على “حزب الله”، الذي كان منهمكًا بدوره بمراسم التشييع في إيران ولبنان على السواء. ولعلّ في هذا الواقع ما يشير إلى الفصل بين ما يدور بين واشنطن وطهران، وبين ما يتّصل بإسرائيل ولبنان.
حظي وفد “حزب الله” الكبير إلى إيران، للمشاركة في تشييع المرشد الإيراني الراحل، بلقاء وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وقد أفادت وزارة الخارجية الإيرانية بأنّ عراقجي أبلغ وفد “حزب الله”، الذي قدّم التعازي بالمرشد علي خامنئي، أنّ “طهران تتابع بجدية الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب والاحتلال في لبنان”.
كما شدّد عراقجي على “استمرار دعم نهج المقاومة”، مُشيدًا بـ”مقاومة حزب الله في مواجهة الكيان الصهيوني”.
وفي الضاحية الجنوبية لبيروت، أعلن “حزب الله” في بيان عن “إقامة تجمع شعبي مهيب في الضاحية بعد غد الأربعاء، تزامنًا مع تشييع” جثمان خامنئي.
وفي سياق متصل، أجرت وكالة “تسنيم” الإيرانية حديثًا مع محمد مهدي نصر الله، نجل الأمين العام السابق للحزب حسن نصر الله، تناول “العلاقة الروحية والسياسية بين والده الشهيد وقائد الثورة”. وقال نجل نصر الله نقلًا عن والده: “قال لي في إحدى المرات أن أتعلّم اللغة الفارسية لكي أستمع إلى خطابات القائد مباشرة منه، من دون الاعتماد على الترجمة، لأنّ هذا الأمر وحده له من الاستفادة والبركات ما يكفي لبذل الجهد والوقت لتعلم لغة أخرى من أجله، وبدأت مباشرة بتعلمها.”
من ناحيته، رأى حسين شريعتمداري، مدير تحرير صحيفة “كيهان” الناطقة بلسان المحافظين في إيران، في مقال غلب عليه الطابع الإيديولوجي والتعبوي، أنّ اغتيال قادة “محور المقاومة” لا يؤدّي إلى إضعافهم، بل يحوّلهم إلى رموز أكثر تأثيرًا، مستشهدًا بالنصوص الدينية وباغتيال شخصيات، مثل القائد السابق لـ”فيلق القدس” التابع للحرس الثوري، قاسم سليماني، والأمين العام لـ”حزب الله”، حسن نصر الله، بما يعزز حضور المشروع الذي يمثّلونه ويوسّع تأثيره الشعبي والفكري، وذلك من دون أي تقييم للآثار السياسية والعسكرية المترتّبة على فقدان هذه القيادات.
في المقابل، أماطت صحيفة “نيويورك تايمز” اللثام عن حقيقة ما يدور في إيران هذه الأيام تحت قشرة تشييع المرشد الإيراني السابق. فتحت عنوان “الوحدة الموقتة في جنازة تخفي انقسامات عميقة بين قادة إيران”، لفتت الصحيفة الأميركية إلى أنّ “غياب آية الله مجتبى خامنئي أثار تساؤلات داخل الأوساط السياسية الإيرانية حول مَن يدير البلاد فعلًا، وسمح بتفاقم الانقسامات المفتوحة”.
وجاء في التحقيق الذي أعدته فرناز فصيحي: “عندما قدّم قادة إيران والقادة العسكريون الكبار تحيةً للمرشد الأعلى الراحل، آية الله علي خامنئي، في الجنازة الفخمة التي تستمرّ أسبوعًا، والتي بدأت يوم الجمعة، كان من المفترض أن تكون عرضًا للقوة والصبر والوحدة بعد الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل. عزفت فرقة عسكرية نشيدًا، والمسؤولون الذين لم يظهروا معًا في العلن منذ بداية الحرب قبل أشهر كانوا يمشون جنبًا إلى جنب: الرئيس، ورئيس البرلمان، ورئيس القضاء، وكبار الجنرالات في الحرس الثوري.
وكان لافتًا غياب آية الله مجتبى خامنئي، الذي خلف والده مرشدًا أعلى جديدًا، ولم يظهر علنًا منذ تعيينه في آذار. وقد وفّرت تلك اللحظة استراحةً من الأسابيع والأيام التي سبقت الجنازة، عندما كان كبار المسؤولين الإيرانيين والشخصيات السياسية البارزة يتقاتلون علنًا وبشراسة حول المفاوضات مع الولايات المتحدة. وتبادلوا اتهامات بالوهم والخيانة والتآمر والانقلاب والعصيان واستغلال المرشد الأعلى الجديد”.
وأعلن مؤخرًا الاستراتيجي المتشدد البارز حسن رحمبور أزغادي، في تجمع في العاصمة طهران: “أبصق على هذه الحقبة التي يقتلون فيها قائدنا ثم نتحدث عن السلام مع الولايات المتحدة”. وبدلًا من المفاوضات، دعا إلى الانتقام.
حاول آية الله خامنئي تهدئة ذلك الجدل بإصدار بيان مكتوب صيغ بعناية، وهي خطوة زادت من حدّة النيران. وهتف المؤيدون المتشدّدون في التجمّعات الليلية بأنّهم لن يتراجعوا إلا إذا ظهر المرشد الأعلى بوجهه أو أصدر تسجيلًا صوتيًا. ولم يفعل أيًّا منهما. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان مجتبى خامنئي، البالغ من العمر 56 عامًا، سيحضر أيًّا من مراسم جنازة والده هذا الأسبوع. كما غاب يوم الأربعاء عن مراسم تأبين زوجته في طهران، التي قُتلت مع ابنهما المراهق وأقارب آخرين في اليوم الأول من الحرب، عندما قصفت القوات الإسرائيلية والأميركية مجمّع العائلة.
وفي سياق متصل، ذكرت المحامية والناشطة الإيرانية الحاصلة على جائزة نوبل للسلام، شيرين عبادي، في مقال بعنوان “ماذا سيحلّ بالشعب في أكثر مراسم تشييع تكلفة في التاريخ؟”، أنّ “السؤال الأساسي ليس أين سيدفن خامنئي، بل ماذا سيحلّ بالشعب الذي سيطلب منه مرة أخرى دفع ثمن استعراض قوة النظام؟”
وأكّدت الناشطة الحقوقية أن “خامنئي كان أحد أبرز المسؤولين عن جرّ إيران إلى الحرب والفقر والعزلة والقمع. وقد احتجز حياة الناس لسنوات تحت شعار المقاومة، والآن أصبح حتى جثمانه، إن كان قد بقي منه ما يصلح للاستعراض، ذريعة جديدة لإغلاق المدن، وإنفاق الأموال، وخلق تهديدات أمنية، وتعريض حياة المواطنين للخطر”.
وفي ختام مقالها، كتبت عبادي: “إنّ النظام الذي يعلم أنّ الناس قد يموتون في مراسمه، لكنّه لا يتخذ أي تدابير، هو نظام قاسٍ وإجرامي. والنظام الذي يوفر القبور والميزانيات والحافلات والمطابخ لجثمان زعيمه، لكنّه لا يوفر الدواء والغذاء والعدالة للمرضى والفقراء والأطفال والسجناء، لا يستحقّ سوى السقوط. هذا التشييع ليس استعراضًا للقوة، بل هو اعتراف بطبيعة نظام يُنفق حياة الناس على موت قادته.”
على الضفة الأميركية – الإسرائيلية، كان المشهد الإيراني، وتاليًا اللبناني، له إطلالة مغايرة لحالة التمجيد التي تتصاعد أصواتها في طهران والضاحية. فقد أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترامب موقع “أكسيوس”، يوم السبت، بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو طلب منه عقد اجتماع في البيت الأبيض، وأنه قد يتم في أقرب وقت، الأسبوع المقبل، بعد عودة ترامب من قمة الناتو.
وأضافت صحيفة “أكسيوس”: “أهداف الأمن القومي لترامب ونتنياهو في السياسة الخارجية، إلى جانب مصالحهما السياسية الداخلية، تباينت خلال الشهرين الماضيين، وسط الحرب وقضايا إقليمية أخرى. وعلى الرغم من تحفّظات نتنياهو، وقع ترامب مذكرة تفاهم، الشهر الماضي، لتمديد وقف إطلاق النار مع إيران، وإطلاق محادثات نووية جديدة.
كما ضغط ترامب على نتنياهو لتقييد عمليات الجيش الإسرائيلي في لبنان، حيث أصبح القتال عقبةً أمام محادثات إيران، وتوقيع اتفاق إطار يتطلّب الانسحاب الأولي من الجنوب.”
وفي المناسبة، قال ترامب لـ”أكسيوس” إنّه يتابع جنازة المرشد الأعلى الإيراني السابق علي خامنئي، الذي اغتيل في اليوم الأول من الحرب، في عملية مشتركة أميركية – إسرائيلية. وادّعى ترامب أن الإيرانيين “يتوسّلون لإبرام صفقة”، لكنّه قال إنّ الطرفيْن قرّرا أخذ أسبوع راحة من المحادثات حتّى انتهاء الأحداث المحيطة بجنازة خامنئي. وفي الوقت نفسه، قال إن أحدًا من الطرفيْن لن يطلق النار على الآخر. وأضاف: “الجميع هناك. طلقة واحدة ويمكننا القضاء عليهم جميعًا، لكنّنا لن نفعل ذلك، لأنّه حينها لن يكون لدينا أحد للتفاوض معه.”
وقال ترامب إنه فوجئ برؤية بعض الإيرانيين يبكون في الجنازة، قائلًا: “أعتقد أن الناس يكرهون خامنئي. ربّما هي دموع مزيفة.”
لبنانيًّا، كشفت مصادر إسرائيلية للقناة 15 أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي ينتظر الضوء الأخضر من الرئيس ترامب للسيطرة على قاعدة علي الطاهر المحفورة داخل الجبل، تلقّى طلبًا بتأجيل هذه العملية، فيما لا تزال المفاوضات جارية مع الجانب الإيراني. وأفادت القناة 12 الإسرائيلية بأنّ “ترامب ردّ على طلب نتنياهو تنفيذ عملية في مرتفعات علي الطاهر بالقول: دعني أتعامل أولًا مع إيران، لا تزعجني بالانفجارات هناك.”
لكن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، أطلّ أمس من قلعة الشقيف، ليعلن أن قواته تسيطر على مواقع رئيسية في منطقة الشقيف، جنوبي لبنان، وعلى منظومات أنفاق قال إنّ “حزب الله” أقامها على مدى عقود، ملوّحًا بالانتقال إلى “هجوم سريع” في حال خرق وقف إطلاق النار.
في أي حال، وعلى الرغم من فترة السماح الأميركية لإيران و”حزب الله”، ذهبت محطة “المنار”، الناطقة باسم الحزب، إلى بثّ شريط مصوّر بعنوان “عون للعدو… ذلّ للبنان”، ردت فيه مباشرة على مواقف رئيس الجمهورية جوزاف عون، الذي لا يتنازل أمام الضغوط. فبات واضحًا، بما لا لبس فيه، أن سلوك “حزب الله” تجاه المسار السيادي في لبنان ينطبق عليه قول الشاعر: “إذا أنت أكرمت اللئيم تمرّدا.”
لا غلو في القول إنّ “حزب الله” ما زال مقيمًا في تابوت أمينه العام الراحل حسن نصر الله، وكذلك في تابوت المرشد علي خامنئي. وسيوارى الأخير الثرى خلال أيام، كما ووري نصر الله سابقًا. فهل يُمكن أن يفكر “حزب الله” خارج التابوت؟

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us