السودان: المأساة الإنسانية تتحول إلى ساحة نفوذ إيرانية جديدة

كتب Marc-Jérémie Boulos لـ”Ici Beyrouth“:
ينزلق السودان إلى واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في العالم. فمنذ اندلاع الحرب في نيسان 2023 بين الجيش السودانيّ وقوات الدعم السريع، تحوّلت البلاد إلى مسرح لحرب مفتوحة لا نهاية لها، يدفع المدنيون فيها الكلفة الأكبر.
وقد أدّى الصراع بين الفريق أول عبد الفتاح البرهان، قائد الجيش السودانيّ، ومحمد حمدان دقلو، المعروف بـ”حميدتي”، قائد قوات الدعم السريع، إلى إغراق البلاد في الفوضى. فقد نزح ملايين الأشخاص، وبات شبح المجاعة يهدد مناطق متعددة، فيما دُمّرت البنى التحتية الأساسية على نطاق واسع.
غير أنّ مواجهة من نوع آخر تتكشف على مستوى النفوذ الدوليّ خلف هذه الحرب الداخلية. فالسودان، الواقع عند مفترق طرق بين أفريقيا والبحر الأحمر، تحوّل إلى ساحة جديدة للتنافس بين القوى الإقليمية.
ومن بين الأطراف الّتي تسعى إلى ترسيخ نفوذها، والتأثير في مسار الأزمة، تبرز إيران.
الفاشر… رمز لحرب تستهدف المدنيين
تتركّز المخاوف الكبرى اليوم في إقليم دارفور. فبعد أشهر من الحصار، سقطت مدينة الفاشر في أيدي قوات الدعم السريع عام 2025، ما أدى إلى تصاعد الاتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وأعمال عنف ذات طابع عرقيّ.
وتؤكد منظمة العفو الدولية بأنّ قوات الدعم السريع شنّت حملة تطهير عرقيّ، استهدفت بعض المجتمعات، لا سيّما الزغاوة، عبر هجمات طاولت المدنيين، وعمليات خطف، وأعمال عنف جنسيّ، وعمليات تجنيد قسريّ للأطفال.
وتأتي هذه الاتهامات لتضاف إلى خلاصات خرج بها محققو الأمم المتحدة، وتحدثوا فيها عن أفعال تحمل سمات الإبادة الجماعية.
وبات سيناريو الفاشر يثير مخاوف متزايدة من تكراره في الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان. فهذه المدينة الاستراتيجية، الّتي يقطنها نحو 500 ألف شخص، مهددة بهجوم محتمل من قوات الدعم السريع.
وحذّرت دول غربية متعددة من خطر وقوع موجة جديدة من الفظائع، داعية إلى ممارسة أقصى درجات الضغط على أطراف النزاع، لتجنب كارثة مماثلة لتلك الّتي شهدها إقليم دارفور.
إدانة حميدتي: حكم رمزيّ بلا أثر فوريّ
أصدرت العدالة السودانية حكمًا غيابيًّا بإعدام محمد حمدان دقلو، وعدد من كبار مسؤولي قوات الدعم السريع، بتهم ارتكاب جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، وإبادة جماعية.
ويستهدف الحكم، خصوصًا، أعمال العنف الّتي ارتُكبت في الجنينة، عاصمة ولاية غرب دارفور، حيث يُعتقد أنّ آلاف الأشخاص قُتلوا في خلال هجمات طاولت أفراد مجتمع المساليت بشكل أساسيّ.
لكنّ هذا الحكم يبقى رمزيًّا في نهاية المطاف. فقادة قوات الدعم السريع يسيطرون على مناطق واسعة حتى الساعة، وهم في خارج متناول السلطات الّتي أصدرت قرار إدانتهم.
وفي بلد منقسم بين سلطتيْن متنافستيْن، تواجه العدالة الدولية صعوبة في فرض قراراتها.
إيران تحرّك أوراقها في الملف السودانيّ
في وقت تواصل فيه الحرب تمزيق السودان، تسعى طهران إلى ترسيخ حضورها في النقاش الدبلوماسيّ المرتبط بالأزمة.
وفي خلال اجتماع لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، ندّدت طهران بالدعم العسكريّ واللوجستيّ الخارجيّ الّذي تحصل عليه قوات الدعم السريع، متهمة بعض الأطراف الدولية بالمساهمة في تأجيج الحرب.
وخلف هذا الخطاب الرسميّ المدافع عن سيادة السودان، تكمن حقيقة جيوسياسية مفادها أنّ إيران تسعى منذ سنوات إلى تعزيز حضورها في أفريقيا وحول البحر الأحمر، وهي منطقة استراتيجية تخدم طموحاتها الإقليمية.
وبالنسبة إلى طهران، يمثّل السودان فرصة إضافية لتوسيع نفوذها في مواجهة القوى الغربية ودول الخليج.
استراتيجية نفوذ تحت غطاء دبلوماسيّ
يقوم الخطاب الإيرانيّ على مبدأ متكرر، يتمثل في رفض التدخلات الخارجية والدعوة إلى حلول وطنية. غير أنّ هذا الخطاب غالبًا ما يترافق مع سياسة تهدف إلى تعزيز النفوذ الإيرانيّ في مناطق الأزمات.
وبالنسبة إلى إيران، تؤمن الحرب السودانية ساحة دبلوماسية جديدة لتعزيز مصالحها الاستراتيجية.
ويذكّر هذا النهج بملفات إقليمية أخرى، استخدمت فيها إيران الأزمات السياسية والأمنية لبناء شبكات نفوذ، لا سيّما في الشرق الأوسط.
بالتالي، يواجه السودان خطر التحول إلى مساحة جديدة لمواجهة غير مباشرة بين قوى متنافسة.
البحر الأحمر… رهان الحرب الآخر
بعيدًا من الصراع العسكريّ، يكتسب السودان أهمية استراتيجية كبرى. إذ طالما استقطب ساحله المطل على البحر الأحمر اهتمام القوى الإقليمية والدولية.
ويسمح امتلاك نفوذ سياسيّ أو عسكريّ في هذه المنطقة بالتأثير في واحدة من أهم طرق التجارة في العالم.
وهذا تحديدًا ما يفسر اهتمام إيران المتزايد بالملف السودانيّ. فخلف التصريحات الدبلوماسية، تدور معركة للسيطرة على منطقة جغرافية بالغة الأهمية.
الشعب السودانيّ… ضحية الطموحات الخارجية
في وقت تواصل فيه الأطراف الإقليمية حساباتها الاستراتيجية، يواصل الشعب السودانيّ تحمل تبعات حرب تبدو بلا مخرج.
فالمجاعة تتفاقم، وحركات النزوح القسريّ تتزايد، فيما يبقى المدنيون عرضة لعنف الجماعات المسلحة.
ويتمثل الخطر اليوم في أن يتحول السودان إلى ساحة جديدة للصراعات الدولية، حيث تتقدم طموحات القوى الخارجية على احتياجات شعب أنهكته الحرب.
وبين فظائع الأطراف المتحاربة وصراعات النفوذ الإقليميّ، يواجه السودان خطر الانزلاق أكثر فأكثر في أزمة يبدو الخروج منها أبعد من أي وقت مضى.
مواضيع ذات صلة :
السّودان على صفيح ساخن: المعارك تتوسّع في عدّة جبهات! | تحرّكات أميركية متسارعة لوقف حرب السودان… “المسار المدني وحده الحل”! | اشتباكات السودان تتصاعد.. غارات على المدنيين والمساعدات الغذائية! |




