مفاوضات روما تنقل اتفاق الإطار إلى مرحلة تقنيّة تنفيذيّة

المرحلة المقبلة لن تقتصر على استكمال المفاوضات، بل ستشهد ترجمة عملية لمسار استعادة الدولة بكامل سلطتها. وستظهر خطوات متتالية تعزّز احتكار الدولة للسلاح والقرار الأمني، وتُعيد تثبيت مبدأ أن لا شرعية لأيّ قوّة خارج المؤسّسات الدستورية والعسكرية الرسمية.
كتبت كارول سلوم لـ”هنا لبنان”:
مهما قيل عن مفاوضات روما بين الجانبَيْن اللبناني والإسرائيلي برعاية أميركية، فإنّ بيان السفارة الأميركية عكس دليلًا ملموسًا على إحرازها تقدمًا يتّصل بقيام المناطق التجريبية وسلوك هذا الأمر مساره التنفيذي الطبيعي، لا سيّما أن هناك هيكليّة عمليّة تمّ الاتفاق عليها.
لن تتوقّف هذه المفاوضات، وسيصار إلى متابعة تفاصيلها، لا سيما أن هناك رغبة أميركية في الانتقال إلى آليّةٍ موسّعةٍ، كما أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يودّ استقبال الرئيس اللبناني العماد جوزاف عون في واشنطن وبحوزته وقائع إيجابية عن سير هذه المفاوضات.
هكذا أرست مفاوضات روما الخيار التنفيذي لاتفاق الإطار، والترجمة تنتظر بعض الوقت، وهذه مسألة مفروغ منها، وكما هو متوقع فإنّ اللقاء المرتقب بين الرئيسين عون وترامب من شأنه تسريع الكثير من الخطوات كي لا يبقى الاتفاق مجرّد كلام.
وفي هذا السياق، يقول رئيس حزب حركة التغيير المحامي إيلي محفوض لموقع “هنا لبنان”، إنّ ما جرى في روما ليس حدثًا عابرًا، بل هو محطة سياسية بالغة الأهمية تؤكّد أنّ مسار المفاوضات بين لبنان وإسرائيل مستمرّ بوتيرة متسارعة، خلافًا لكلّ الرهانات التي تحدثت عن تعطيله أو إفشاله. وما صدر عن السفارة الأميركية في بيروت يؤكّد بصورة لا تحتمل التأويل أنّ المفاوضات انتقلت من مرحلة وضع الأطر العامة إلى مرحلة تقنيّة تنفيذية، وهذا يعني أنّ الملف يسير إلى الأمام بثبات، وأنّ المجتمع الدولي مصمّم على استكماله وصولًا إلى اتفاق شامل يُعالج الملفّات العالقة ويكرّس الاستقرار على الحدود.
هذه التطوّرات لم تكن لتتحقّق لولا التحول الذي شهدته الدولة اللبنانية في مقاربة هذا الملف. وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، بات القرار اللبناني أكثر استقلاليّةً عن الإملاءات الخارجية التي كانت تعطّل أي فرصة لبناء دولة فعلية. فمن الواضح أن لبنان بدأ يستعيد قراره الوطني، وأنّ منطق الدولة عاد ليتقدّم على منطق السلاح.
وأقولها بوضوح: “الرئيس العماد جوزاف عون نجح في تحقيق ما عجز عنه الكثيرون خلال العقود الماضية. لقد استطاع أن يُبعد النفوذ الإيراني عن الإمساك المُطلق بالقرار اللبناني، وأن يسحب من طهران الورقة اللبنانية التي تمسّكت بها لسنوات طويلة باعتبارها إحدى أهم أوراقها التفاوضية والإقليمية”.
ويضيف محفوض لموقعنا: “لقد حاولت إيران بكل الوسائل إبقاء لبنان رهينة مشروعها الإقليمي، واستخدمت الساحة اللبنانية منصّةً لخدمة سياساتها، إلا أن الوقائع الحالية تشير إلى أنّ هذه المرحلة بدأت بالانحسار، وأنّ الدولة اللبنانية استعادت زمام المبادرة، وهذا بحدّ ذاته تحوّل استراتيجي ستكون له انعكاسات عميقة على مستقبل البلاد”.
ويؤكد أنّ نجاح الرئيس جوزاف عون لا يُقاس بالشعارات، بل بالنتائج. ففي فترة وجيزة استطاع إعادة الاعتبار لمؤسّسات الدولة، وأعاد الثقة العربية والدولية بلبنان، وفتح الباب أمام مسار سياسي جديد يقوم على تثبيت سلطة الدولة وحدها، وإعادة القرار الأمني والعسكري إلى المؤسّسات الشرعية دون سواها، معتبرًا أنّ المشهد الدّاخلي تبدّل بصورة واضحة. فالجهة التي كانت تفرض إيقاعها على الحياة السياسية لم تعد تمتلك القدرة نفسها على التعطيل أو فرض الشروط. لقد تراجعت هيبتها السياسية بصورة كبيرة، وباتت في موقع الدفاع بعد أن كانت لعقود في موقع فرض الوقائع على الجميع. وهذا التحوّل ليس وليد الصدفة، بل نتيجة تبدّل الموازين الداخلية والإقليمية والدولية.
ويرى محفوض أنّ السنوات الماضية أثبتت أنّ نهج الميليشيات كان عبئًا على لبنان وعلى البيئة التي ادّعى تمثيلها قبل سائر اللبنانيين. فالنتيجة كانت عزلة عربية، وخسائر اقتصادية، وانهيارًا ماليًا، وحروبًا متكرّرة، وفرصًا ضائعة، فيما كانت الدولة تتراجع لحساب مشروع لا يشبه لبنان ولا يخدم مصلحته الوطنية.
اليوم، نحن أمام فرصة تاريخية لإقفال هذه الصفحة نهائيًّا. وأعتقد أن المرحلة المقبلة لن تقتصر على استكمال المفاوضات، بل ستشهد ترجمة عملية لمسار استعادة الدولة بكامل سلطتها. وستظهر خطوات متتالية تعزّز احتكار الدولة للسلاح والقرار الأمني، وتعيد تثبيت مبدأ أن لا شرعية لأيّ قوّة خارج المؤسسات الدستورية والعسكرية الرسمية.
إنّ لبنان لا يمكن أن ينهض في ظلّ ازدواجية السلطة، ولا يمكن أن يستعيد موقعه العربي والدولي ما دام السلاح خارج الدولة. لذلك فإنّ إنهاء الظاهرة الميليشياوية ليس عملًا انتقاميًا ضدّ أحد، بل هو شرط أساسي لبناء الدولة الحديثة، وإعادة المساواة بين اللبنانيين، وترسيخ سيادة القانون على كامل الأراضي اللبنانية.
أنا متفائل بأنّ اللبنانيّين سيشهدون خلال المرحلة المقبلة تطوّرات سياسية وأمنية كبيرة، عنوانها تثبيت سلطة الدولة وإنهاء كل أشكال الدويلات. فالدولة عندما تستعيد قرارها لا تستهدف أحدًا، وإنّما تحمي الجميع، وتفتح الباب أمام الاستقرار والاستثمار والنموّ واستعادة ثقة الأشقاء العرب والمجتمع الدولي.
ويختم محفوض بالقول: “لقد تعب اللبنانيون من الحروب المفتوحة ومن تحويل وطنهم إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. وما يحتاجه لبنان اليوم هو دولة واحدة، وجيش واحد، وقرار واحد، وسيادة واحدة. وهذا هو الطريق الوحيد نحو الاستقرار الحقيقي، وهو أيضًا المسار الذي يبدو أنه بدأ يترسّخ، وما نشهده في روما ليس سوى إحدى محطاته الأساسية”.
ستكون العين دائمًا على محطة المفاوضات المقبلة وما قد يخرج منها من نقاط إضافية وصولًا إلى قيام اتفاق شامل بين لبنان وإسرائيل.




