جنوب لبنان: شباب أسير المؤقت

ترجمة هنا لبنان 26 تموز, 2026

كتبت Katia Kahil لـ”Ici Beyrouth“:

كانوا يخططون لمشاريع مستقبلية. أمّا اليوم، فلم يعد لديهم سوى مواعيد مؤجلة. لم تقتصر الحرب في جنوب لبنان على تدمير المنازل، وتعطيل الدراسة، وتقليص فرص العمل، بل طالت أمورًا، إعادة بنائها أصعب بكثير: قدرة جيل كامل على الإيمان بالغد.

في مرحلة يختار فيها المرء مساره، أو ينال وظيفته الأولى، أو يستقر، أو يتزوج، أو يحلم بمستقبل ما، يتعلم آلاف الشباب، قبل كل شيء، الانتظار: انتظار انتهاء المعارك، أو إعادة فتح طريق، أو العثور على عمل، أو العودة إلى منازلهم، أو استئناف عام جامعيّ.

“لم أعد أعرف حتى ما معنى التخطيط لمشاريع مستقبلية”، يقول جاد من مرجعيون، وهو في الرابعة والعشرين من عمره، وقد حاز على شهادة ماجستير.

لم يختفِ المستقبل. لكنّه أصبح مؤقتًا. وربما تكمن هنا واحدة من أكثر أشكال الحرب خفاءً. إذ قد يبكينا الدمار الحاصل. أمّا المؤقت، فيبقي الإنسان أسير الانتظار.

الشهادة لم تعد تحمي

قلّصت الصدمة الاقتصادية آفاق جيل كان بالكاد قد بدأ مسيرته المهنية. ووفق البنك الدوليّ، أدّت الحرب (في عاميْ 2023-2024) إلى كلفة اقتصادية قُدّرت بـ14 مليار دولار، منها 7 مليارات دولار من الخسائر المباشرة، فيما يُقدّر تأثّر نحو 166 ألف وظيفة أو فقدانها. أمّا القطاعات الّتي تضررت أكثر من غيرها، وهي الزراعة والتجارة والخدمات والسياحة، فتشكل أيضًا ركائز اقتصاد الجنوب.

“أنهيت الماجستير قبل اندلاع الحرب بأسابيع قليلة. وظننت أنّني سأبدأ حياتي المهنية. وها أنا اليوم أنتظر”، يقول نادر.

على مدى سنوات، استثمرت العائلات في تعليم أبنائها كضمانة ضد الأزمات. وكان من المفترض أن تمنحهم الشهادة استقلالية. لكنّ هذا الوعد يتهاوى. “شهادتي بحوزتي”، تلخص نور من النبطية، وقد نالت شهادة في التسويق.

يقبل بعضهم وظائف لا تتناسب مع مؤهلاتهم، فيما يتنقّل آخرون بين أعمال مؤقتة، أو يعتمدون على أسرهم. وبالنسبة إلى كثيرين، لم تعد الهجرة مشروعًا من بين مشاريع أخرى، بل باتت الاحتمال الوحيد. “غادر زملائي إلى كندا، أو ألمانيا، أو الإمارات. لكنّني فضلت البقاء. واليوم، لم أعد متأكدة من صواب قراري”، تقول لميا، مهندسة مدنية من بنت جبيل.

لم تفقد الشهادة قيمتها. لكنّ الاقتصاد المفترض أن يستوعبها هو الّذي انهار.

أن يصبح المرء بالغًا قبل أن يعيش شبابه

لقد قلبت الحرب أيضًا الأدوار في داخل العائلات.

لم تعد دراسة علي، وهو شاب من النبطية يبلغ الثانية والعشرين من عمره، تعرّف عنه. يقول: “في غضون بضعة أشهر، لم أعد طالبًا. وأصبحت الشخص الّذي يبحث عمّا يؤمّن به لقمة العيش”.

في الكثير من الأسر، يتحمل الشباب مسؤولية إعالة أهلهم، ويعلّقون دراستهم، ويبحثون عن مصدر دخل قبل بناء حياتهم الخاصة.

تقول سميرة، النازحة من كفركلا: “أصبحت ابنتي البالغة عشرين عامًا راشدة في خلال بضعة أشهر. وها هي تعتني بإخوتها الصغار، وترافق جدتها إلى الطبيب، وتعمل عن بُعد كلما توافرت خدمة الإنترنت. ولم تحظَ بفرصة عيش شبابها”.

هذا النضج مفروض وليس خيارًا

يلحظ اختصاصيو الصحة النفسية قلقًا مستمرًّا لدى الكثير من الشباب، واضطرابات في النوم، وشعورًا بمسؤولية لا تتناسب مع أعمارهم. وتلخص الأخصائية النفسية نهاد حداد، الّتي تعمل مع عائلات نازحة، الأمر بالقول: “لا يملكون الوقت كي يعيشوا شبابهم”.

حياة معلّقة

امتدت أيضًا حالة عدم اليقين إلى الدراسة والمشاريع الشخصية. فبعض الطلاب يجهلون ما إذا كانوا سيتمكنون من إنهاء فصلهم الدراسيّ، ويعلّق آخرون مسارهم التعليميّ بهدف العمل أو مساندة عائلاتهم.

تقول نجوى، وهي أم من كفرشوبا: “يبلغ ابني 17 عامًا، لكنّه يتحدث كرجل في الخمسين. ولا يشغل تفكيره سوى الأمان والمال. لقد سرقوا منه سنوات الدراسة الثانوية”.

وفي أقضية النبطية ومرجعيون، تروي المتاجر المغلقة بدورها قصص مشاريع توقفت. وفي إبل السقي، يلخص المهندس المدنيّ نديم، وهو في السابعة والعشرين من عمره، هذه المرحلة الزمنية الجديدة: “قبل الحرب، كنت أفكر في بناء المنازل. أمّا اليوم، فجلّ ما أبحث عنه هو الراتب. ولم أعد أضع خططًا لخمس سنوات قادمة بل أحصر تفكيري في الشهر المقبل”.

أصبح التفكير في المستقبل البعيد ترفًا. حتى القرارات الأكثر خصوصية باتت مؤجلة: حفلات الزفاف، أو شراء المساكن، أو حتى الاستثمارات.

“كنّا قد حددنا موعد زفافنا في الخريف. ثم اندلعت الحرب. واليوم، لا زلنا ننتظر. حتى أنّنا نجهل أين سنعيش بعد بضعة أشهر”.

لم يعد المؤقت يشكل مرحلة. وها هو يتحول إلى أسلوب حياة.

الكلفة الخفيّة

ليس الخطر، إذًا، اقتصاديًّا فحسب. بل هو اجتماعيّ أيضًا. تقول عالمة الاجتماع رانيا ضاهر: “عندما يطول أمد النزاع، يتعلم الشباب عدم الاستثمار في المدى الطويل بسبب عدم ثقتهم بأي استقرار. وتتغير الأدوار في داخل الأسرة، وتُعاد صياغة أشكال التضامن، وتصبح الصدمة تجربة جماعية”.

ولا يظهر هذا التحول في الإحصاءات فحسب. بل يتجلى في المشاريع المتروكة، والرحيل الّذي غدا نهائيًّا، والدراسات المعلقة، والقرارات المؤجلة باستمرار. والخطر هو نزيف الأدمغة الّذي لا تدفعه الطموحات، بل غياب البدائل.

لا يضيع الشباب عندما يغادرون أوطانهم فحسب. بل قد يضيعون أيضًا عندما يفقدون الإيمان بإمكان البناء فيها.

قد تكون كلمة “مُضحّى به” نهائية أكثر ممّا ينبغي. لكنّ جيلًا محرومًا من سنوات التعلّم، والتجربة، والبناء، لا يخرج سالمًا من نزاع طويل الأمد. فشريحة من هذا الشباب في جنوب لبنان تعلّمت الحذر قبل الجرأة، والبقاء على قيد الحياة قبل بناء الذات.

يتحول المرء إلى ربّ أسرة قبل بناء حياته الخاصة. ويتعلم احتساب المخاطر قبل تعلّم خوضها.

هذه هي كلفة الحرب الخفيّة: فقدان الثقة بالاستمرارية، والاقتناع بأنّ ما نبنيه اليوم سيبقى موجودًا في الغد.

سيُعاد إعمار مباني الجنوب. وستُفتح الطرقات من جديد. وقد تستعيد المتاجر نشاطها. إنّما يستحيل إعادة بناء شباب ضائع، بالوتيرة عينها الّتي تحصل فيها ورش الإعمار.

لا يُقاس جيل بعدد شهاداته أو وظائفه المفقودة فحسب. بل يُقاس أيضًا بما لا يزال يؤمن بإمكان تحقيقه.

قد لا يتمثل أكبر ضرر خلّفته الحرب في ما دمّرته، بل في ما زرعته من خوفٍ في جيلٍ بات يخشى البدء من جديد.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us