تعزيزات أوروبية في قلب التصعيد مع إيران: ردع دفاعي أم تمهيد لتحالف أوسع؟

أثارت التعزيزات العسكرية التي أعلنت كل من فرنسا والمملكة المتحدة إرسالها إلى الشرق الأوسط تساؤلات واسعة حول طبيعة الدور الأوروبي في التصعيد المتسارع مع إيران، وحول ما إذا كانت هذه الخطوات تندرج ضمن إطار دفاعي محدود لحماية المصالح والقواعد العسكرية، أم أنها تمثل مقدمة لانخراط أوسع قد يشمل حلف شمال الأطلسي في مرحلة لاحقة.
باريس ولندن أكدتا في بيانات سابقة أنهما لم تشاركا في الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران، إلا أنهما شددتا في الوقت نفسه على استعدادهما لدعم إجراءات دفاعية ضرورية ومتوازنة تستهدف الحد من قدرة طهران على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة. وفي هذا السياق، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إرسال حاملة الطائرات شارل ديغول من بحر البلطيق إلى البحر المتوسط، ترافقها فرقاطات وسربها الجوي، مع نشر مقاتلات رافال وأنظمة دفاع جوي ورادارات محمولة جواً في الشرق الأوسط، إضافة إلى تعزيزات دفاعية في قبرص. بالتوازي، أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إرسال بارجة ومروحيات قتالية لحماية القاعدتين العسكريتين البريطانيتين في قبرص بعد تعرض إحداهما لهجوم بطائرة مسيّرة إيرانية.
هذه التحركات، بحسب جيمي شيا نائب الأمين العام المساعد السابق للناتو وأستاذ الاستراتيجية في جامعة إكستر، تهدف أساساً إلى الردع ومنع توسع النزاع نحو أوروبا، خاصة بعد الهجمات التي طالت قاعدة بريطانية في قبرص. ويرى شيا أن الأصول البحرية والجوية الإضافية تمنح باريس ولندن القدرة على مساعدة شركائهما في الخليج في اعتراض الصواريخ والمسيّرات، وحماية القوات المنتشرة هناك، مع الحرص على إبقاء الانتشار في إطار دفاعي لا هجومي، ما لم تتعرض أهداف أوروبية مباشرة لهجمات كبيرة تؤدي إلى خسائر بشرية واسعة.
صحيفة الغارديان أشارت إلى أنّ بريطانيا لم تشارك في الهجوم المشترك الأصلي بين الولايات المتحدة وإسرائيل، لكنها انتقلت تدريجياً إلى دور غير مباشر عبر إسقاط طائرات مسيّرة في عمليات دفاعية، والسماح باستخدام قواعد بريطانية لضرب مواقع صاروخية إيرانية، ما يعكس انزلاقاً محسوباً نحو المشاركة دون إعلان رسمي بالانخراط الكامل في الحرب.
أما على مستوى الناتو، فيبقى الموقف الرسمي حذراً. الأمين العام للحلف مارك روته أكد أنّ الناتو ليس مشاركاً في التصعيد، لكنه شدد على أن القدرات النووية والصاروخية الإيرانية تمثل تهديداً لأوروبا أيضاً، وأنّ الحلف في حالة يقظة. ويبرز هنا عامل تركيا، إذ إن أي هجوم إيراني على قواعد أميركية داخل الأراضي التركية قد يدفع أنقرة إلى تفعيل المادة الخامسة من ميثاق الدفاع الجماعي، والتي تنص على أن أي هجوم على دولة عضو يُعد هجوماً على جميع الأعضاء، وهو سيناريو كفيل بتحويل المواجهة إلى صراع أوسع نطاقاً.
في الميدان، يتزامن الحشد الأوروبي مع تصعيد عسكري أميركي واسع. فقد أعلن قائد القيادة المركزية الأميركية الجنرال براد كوبر أن عملية Epic Fury دخلت يومها الرابع بمشاركة أكثر من خمسين ألف جندي أميركي ونحو مئتي طائرة مقاتلة وحاملتي طائرات، في أكبر حشد عسكري أميركي بالمنطقة منذ سنوات، مؤكداً تنفيذ ضربات استهدفت نحو ألفي هدف داخل إيران، وإضعاف دفاعاتها الجوية وتدمير مئات الصواريخ ومنصات الإطلاق. كما أطلقت إيران، بحسب البيانات الأميركية، أكثر من خمسمئة صاروخ باليستي وألفي طائرة مسيّرة منذ بدء المواجهة.
في المقابل، تكبدت الولايات المتحدة خسائر بشرية، إذ أعلن الجيش الأميركي مقتل أربعة جنود من قوات الاحتياط في هجوم بطائرة مسيّرة استهدفت منشأة عسكرية في ميناء الشعيبة بالكويت، ضمن ستة قتلى أميركيين حتى الآن، وسط تحذيرات من إدارة الرئيس دونالد ترامب من احتمال سقوط مزيد من الضحايا مع استمرار التصعيد.
إقليمياً، أعلنت السعودية اعتراض وتدمير تسع طائرات مسيّرة فور دخولها أجواءها، مؤكدة استعدادها لاتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية أمنها، بينما قررت إسرائيل إعادة فتح مجالها الجوي تدريجياً بعد إغلاقه منذ بداية الحرب، في خطوة تعكس محاولة للعودة الجزئية إلى الوضع الطبيعي رغم استمرار العمليات.
في المحصلة، تبدو التحركات الفرنسية والبريطانية حتى الآن جزءاً من استراتيجية ردع وحماية للمصالح والقواعد والشركاء الإقليميين، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام تحالف أوسع إذا توسعت دائرة الهجمات لتطال أهدافاً أوروبية مباشرة. غير أنّ دخول الناتو رسمياً في الصراع يظل مرتبطاً بتطورات ميدانية محددة، خاصة في حال استهداف أراضٍ تابعة لدول الحلف أو وقوع خسائر جسيمة تدفع إلى تفعيل آليات الدفاع الجماعي، وهو ما قد ينقل المواجهة من حرب إقليمية مركزة إلى صدام دولي واسع النطاق.
مواضيع ذات صلة :
أسعار النفط ترتفع فوق 82 دولارًا وسط الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران | أدرعي: جيش الدفاع الإسرائيلي يشن غارات جديدة على طهران | الكويت تتهم إيران بهجمات أسفرت عن مقتل عنصرين من الجيش |




