“الشتلة الخضراء” كنزُ لبنان الخفي.. من يستثمر بها؟


خاص 31 كانون الثاني, 2024

زراعة التبغ والتنباك قطاع هام في الاقتصاد اللبناني، وإذا لقي الدعم المطلوب فبإمكانه أن يحول الشتلة الخضراء إلى ورقة خضراء، لبنان بأمس الحاجة إليها لرفد اقتصاده بالعملة الصعبة


كتب جوني فتوحي لـ”هنا لبنان”:

عائلات لبنانية بأكملها تعمل في قطاع زراعة التبغ “من الفجر إلى النجر”. تبدأ الرحلة برمي البذور في “مساكب” وانتظار الشتل كي ينمو، ثم عندما يحين الأوان، يقطف الشتل، ويزرع في المساحات الكبيرة، وتسقى بالماء كي يعيش، وحين يحين موعد القطاف، يتم تجميع أوراق التبغ في أكياس ونقلها الى المنازل، حيث يتم شكها بـ “الميبر”، ثم نقلها إلى خيط طويل، وتجميعها، وتعليقها في سقف غرفة من المنزل، ريثما يتم “تدنيكها” وتسليمها للريجي، التي ترسل شاحنات لتسلمها.
في لبنان، كثير من العائلات تعمل في التبغ، وتنتظر نهاية الموسم كي تجني أموال تعبها، ولا يحق للمزارع أن يستعمل ولو جزءاً بسيطاً من الإنتاج للاستهلاك الخاص، فهذا حق للدولة، لكن الآباء والأجداد، كانوا يهربون بعضاً من الدخان، ويبقون طوال السنة يلفون السيجارة تلو الأخرى، بالورق الأبيض بحرفية عالية.

تعتبر زراعة التبغ والتنباك من القطاعات الهامة في الاقتصاد اللبناني، حيث يتمتع لبنان بتاريخ طويل في إنتاج هذه المحاصيل ذات الطلب الكبير كما يعتبر الاستهلاك الداخلي للتبغ والتنبك في لبنان مرتفعًا، حيث يتم استخدام هذه المنتجات بشكل واسع في التداول المحلي والثقافة الاجتماعية.
تتسم زراعة التبغ والتنباك بأهمية اقتصادية واجتماعية، إذ يعتمد العديد من المزارعين على هذه الزراعة، كوسيلة رئيسية لتحقيق دخلهم. يشكل قطاع التبغ والتنباك جزءاً كبيراً من تشكيل الهوية الزراعية في لبنان، ويسهم في تعزيز التوازن في الاقتصاد الريفي.
من حيث الأرقام، زراعة التبغ وتصنيعه في لبنان تسهم بمبالغ كبيرة في الخزينة اللبنانية. إذ يحتل إنتاج التبغ في لبنان المرتبة السادسة من حيث حجم المبيعات المحلية، وتشكل ميزانية “إدارة حصر التبغ والتنباك اللبنانية” 2.55% من حجم ميزانية الدولة، أما الحكومة اللبنانية فتتلقى نسبة هامة من الرسوم الجمركية والضرائب المتعلقة بقطاع التبغ.
تبلغ قيمة المبيعات في السوق اللبنانية 100 مليون عملية شرائية سنوياً، مع بيع 14,000 صندوق من الدخان شهرياً، وتضاعفت هذه القيمة بشكل كبير بعد ارتفاع أسعار السجائر الأجنبية، مما جعل السيجارة اللبنانية تتفوق في السوق المحلية.
متوسط إنتاج المزارع الذي يملك رخصة زراعة خمسة دونمات هو 500 كلغ سنوياً، وتستفيد حوالي 25 ألف عائلة في لبنان من إنتاج التبغ والتنباك، مساهمة في تقليل حركة النزوح من الريف إلى المدينة.
إنه القطاع الحيوي،الذي يمتد على مساحات واسعة من الجنوب إلى البقاع إلى عكار وبعض الجبل، والذي بإمكانه أن يحول الشتلة الخضراء، إلى ورقة خضراء، لبنان بأمس الحاجة إليها لرفد اقتصاده بالعملة الصعبة، لكن هذا يستلزم تشجيع المزارعين بخطة توسع مدروسة، تؤدي إلى زيادة المساحات المزروعة، وتقديم الخبرات وتحديث وسائل الزراعة وقطاف المحصول.

وقال أمين عام الريجي المهندس جورج حبيقة لـ”هنا لبنان “: نحن ندير هذا ‘المونوبول’ لصالح الدولة، وضبط الحدود أمر مستحيل. نحن لسنا دولة. الدولة منحتنا الصلاحية ووضعت شروطاً عليها، مع التأكيد أن لا أحد يتاجر بالدخان غير الريجي. فالتهريب ينافسنا، وكل ما نقوم به الآن هو محاولة لضبط الأسعار.
وأضاف: إن ضبط الحدود في هذه الظروف هو شعار رنان، وإذا لم تتوحد الأسعار بين الدولار الموازي والدولار في لبنان، لن تسير الأمور بالشكل الصحيح، بالنسبة لوقف التهريب وضبط الأسعار.
وقال: التبغ اللبناني يُعتبر تبغاً شرقياً وجودته جيدة جدًا، ويستعمل في شركة سيدرز التي تصنع السيجارة اللبنانية ذات الجودة المميزة.
وأضاف: تواصلنا قائم فقط مع وزارة المالية، وواجباتنا في شركة الريجي وضع الخطط للتحسين. وواجبات الوزارة مراجعة تلك الخطط، وإذا رأت أنّ شيئاً لا تقتنع به، فلها الحق في عدم الموافقة. ومع ذلك، ليست الوزارة هي التي تقوم بطرح الخطط للتدبيغ، فنحن قد وضعنا الخطط ونجحنا اليوم، وهذا يظهر من خلال صناعتنا للدخان الأجنبي في لبنان.
وختم: إن هذا القطاع حيوي جداً ويؤثر على مدخول عشرات آلاف العائلات ويمكن تطويره بالتعاون بين الريجي ووزارة المال، ويمكن أن يؤمن مدخولاً بالعملة الصعبة للبنان في الأزمة الاقتصادية التي نعيشها.

من جهة أخرى، قال الخبير الاقتصادي الدكتور جاسم عجاقة: “تقليدياً، وخاصةً منذ التسعينيات حتى عام 2019، يشكل القطاع الزراعي جزءاً محدوداً جداً من الاقتصاد اللبناني، حيث لا يتجاوز 5-6% من الناتج المحلي الإجمالي. لذا، إذا أخذنا في اعتبارنا التبغ والتنباك على الناتج المحلي الإجمالي، فإنه لا يشكل جزءاً كبيراً.
وأشار إلى وجود فئة من الشعب اللبناني، خاصةً أهالي الجنوب، يعتمدون على زراعة التبغ والتنباك. وأكد أهمية الاهتمام بقطاع التبغ والتنباك نظراً لدوره الاجتماعي الأساسي والجوهري كمصدر رئيسي للدخل لفئة كبيرة من السكان في الجنوب .
وعبّر عجاقة عن قلقه إزاء انخفاض نسبة الربح للمزارعين مع ارتفاع كلفة الإنتاج ووجود المضاربة، مؤكداً أنّ هذا الأمر يؤثر سلبًا على المزارعين دون فائدة للمستهلك النهائي، نظراً لاختياراته المتاحة فيما يتعلق بالاستهلاك. وأشار إلى الأضرار الناتجة عن الأسعار المضاربة الخارجية، وبخاصة بسبب التهريب، مما يؤدي إلى عدم تحمل الرسوم والضرائب، ودعا إلى ضرورة مواجهة هذا التحدي وحماية الإنتاج اللبناني والصناعة.
وأسف لغياب مبادرات الحكومة في هذا السياق، معبرًا عن استغرابه من عدم تضمين الموازنة أي مبادرات تخص مكافحة الاقتصاد النقدي وتقليل التهريب. وأشار إلى أهمية محاربة التهريب للحد من فاتورة استيراد التبغ، مما يساهم في دعم الاقتصاد اللبناني.
أما في ما يتعلق بالتحديات الاقتصادية المحلية، أشار إلى أهمية التعامل مع الأوضاع في الجنوب، مؤكدًا أنه في حال استمرار الحرب، ستكون لها آثار كبيرة وصعبة. وأكد عجاقة عجز الحكومة عن التعويض بسبب الطابع السياسي والعسكري للقضية، معبراً عن عدم إمكانية اتخاذ موقف قوي يؤدي إلى دعم هذا القطاع الهام.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us