لماذا سار الوزراء المقرّبون من رئيس الجمهورية ضد مصلحة الشعب؟

بدلاً من الذهاب نحو تحديد المسؤوليات بوضوح، ومحاسبة الجهات التي تسبّبت بالأزمة، جاء مشروع قانون الفجوة المالية ليكرّس تحميل المودع الجزء الأكبر من الخسائر، ويُسقط عملياً أي التزام جدي باستعادة أمواله، سواء من الداخل أو الخارج، تحت عناوين تقنية ومالية تخفي في جوهرها قراراً سياسياً واضحاً: إقفال الملف، لا معالجته
كتبت إليونور أسطفان لـ”هنا لبنان”:
في واحد من أكثر القرارات استفزازاً للرأي العام منذ بداية الانهيار المالي، أقرّت الحكومة مشروع قانون الفجوة المالية وسط موجة اعتراضات واسعة، لم تقتصر على المودعين الذين رأوا في القانون ضربة قاضية لما تبقّى من حقوقهم، بل شملت أيضاً خبراء اقتصاديين وقانونيين اعتبروا أنّ ما جرى لا يُشكّل معالجة فعلية للأزمة، بل محاولة مكشوفة لشرعنة نتائجها على حساب الناس.
اللافت في المشهد السياسي الذي رافق إقرار القانون، كان تصويت عدد من الوزراء المحسوبين على رئيس الجمهورية لمصلحة المشروع، في خطوة بدت مناقضة كلياً للخطاب السياسي الذي رُفع منذ بداية الأزمة، والقائم على حماية أموال المودعين والدفاع عن حقوقهم. تصويتٌ حمل في طيّاته رسالة سياسية سلبية، وأعاد طرح علامات استفهام كبرى حول حقيقة الخيارات التي تعتمدها السلطة بعد أكثر من أربع سنوات على الانهيار.
فبدلاً من الذهاب نحو تحديد المسؤوليات بوضوح، ومحاسبة الجهات التي تسبّبت بالأزمة، جاء مشروع القانون ليكرّس تحميل المودع الجزء الأكبر من الخسائر، ويُسقط عملياً أي التزام جدي بإعادة أمواله، سواء من الداخل أو الخارج، تحت عناوين تقنية ومالية تخفي في جوهرها قراراً سياسياً واضحاً: إقفال الملف، لا معالجته.
في هذا السياق، شنّ الكاتب والمحلل السياسي وجدي العريضي هجوماً قاسياً على ما جرى، معتبراً أنّ ما حصل ليس فجوة مالية بقدر ما هو فجوة سياسية وأخلاقية، محذّراً من أن تداعيات هذا القرار ستكون أخطر بكثير مما يتصوّره أصحاب القانون. ويتساءل العريضي: ماذا سيحصل بعد أربع سنوات؟ هل سندخل مجدداً في دوّامة سندات خزينة جديدة؟ وهل يدركون حجم الكارثة التي يزرعونها اليوم؟
ويرى العريضي، في حديث لـ “هنا لبنان”، أنّ الحديث المتكرر عن استعادة أموال المودعين من الخارج بات مجرّد شعار فارغ، مؤكداً أنّ الأموال يجب أن تُعاد اليوم، لا بعد سنوات، لأنّ عامل الوقت بحد ذاته حاسم، وتأجيل الحق يُفقده قيمته الفعلية. ويذهب أبعد من ذلك حين يصف ما يجري بأنه جريمة وسرقة موصوفة، معرباً عن استغرابه من مواقف قوى سياسية وأحزاب لطالما ادّعت الوقوف إلى جانب الناس، فيما هي اليوم تصوّت ضد المودعين، بعدما هرّبت أموالها إلى الخارج ونجت بنفسها من تبعات الانهيار.
ولا يتوقف العريضي عند البعد المالي فحسب، بل يحذّر من ارتدادات سياسية واجتماعية حتمية، متوقعاً أن يواجه من صوّتوا على هذا القانون محاسبة شعبية قاسية في صناديق الاقتراع. ويقول إنّ «الناس لن تنسى، ومن لن يُحاسَب انتخابياً سيدفع الثمن غالياً في مكان آخر»، لا سيما أولئك الذين لا تزال أموالهم محتجزة في المصارف وباتت عملياً بلا قيمة ولا أفق.
في المحصّلة، يكشف مشروع قانون الفجوة المالية، بصيغته التي أُقرّت، حجم الانفصال بين السلطة والواقع الاجتماعي، ويؤكد أنّ الأزمة في لبنان لم تعد أزمة أرقام وحسابات فقط، بل أزمة قرار وإرادة وخيارات سياسية. فحين تُحمى المصارف، ويُترك المودع وحيداً في مواجهة الخسارة، يتحوّل القانون من أداة إنقاذ إلى أداة قمع مالي، وتتحوّل الدولة من حَكَم إلى شريك مباشر في تعميق الانهيار.
مواضيع مماثلة للكاتب:
“الحزب” يضلّل جمهوره: شهداء على قيد الحياة ومسيحيّون “شيعة”! | الدولة تستعيد زمام المبادرة الأمنية وتُعلن بيروت “منزوعة السلاح” | غارة عين سعادة.. من أدخل المستهدف إلى الشقة؟ “هنا لبنان” يكشف التفاصيل |




