تهاوي الأصنام: ما يصمد ليس “التمثال” بل الأفعال… زعماء بلا “لحم ودم”

تماثيل تساقطت وستتساقط بعد. تقابلها حجارة كثيرة تحمل في طيّاتها تمثالًا ما ينتظر مَن يحرّره. في الآونة الأخيرة، في آخر عقدَيْن من الألفية الجديدة، نُسفت تماثيل كثيرة ظنّ أصحابها أنّها باقية إلى الأبد. ألا تتذكّرون الشعار السوري “إلى الأبد إلى الأبد يا حافظ الأسد”؟ تساقطت الأوهام في دولٍ محيطة مع تساقط التماثيل الجامدة التي بلا “لحم ولا دم”. فهل تعلّم مَن صمد حتى اللحظة من الحكّام أنّ لكل شيء نهاية، وأنّ اللعب بالمصائر كما لعبة الشطرنج، بعد أن تنتهي يوضع الملك والعسكري في صندوقٍ واحدٍ؟ ومَن يصمد في التاريخ ليس التمثال، بل الأفعال؟
كتبت نوال نصر لـ”هنا لبنان”:
زمان، كان في لبناننا فنّانٌ اسمه سميح العطار. هو نحت بإزميله ثلاثة أرباع التماثيل التي أصبحت، عبر الزمن، تاريخًا في مجسّمات. التمثال الأول الذي أنجزه العطار في العام 1952، يعود إلى الشيخ فريد الخازن وركّز أمام سراي جونية. وكان تمثال مدخل زحلة الثاني، وبعدهما تمثال حبيب أبو شهلا قرب الأونيسكو، ثم تمثال الشيخ بشارة الخوري، فتمثال عبد الناصر في الرابطة الثقافية في طرابلس، وتمثال حنّا سليمان الحاج في الحدث، وتمثالا رشيد ومحسن بيضون…. ونحت الفنان تماثيل ومجسّمات أخرى كثيرة، بعضها خارج لبنان مثل مجسّم تشرين في سوريا. توفي العطار ولم ينل وسامًا. ويوم سُئل عمّا صنع قال: “قد تكون هناك مقاييس للجمال عبر التاريخ. غير أنّ لكلّ نظرته المختلفة عن غيره، فأينما ترتاح العين إلى الشكل أو المنظر يحضر الجمال. الجمال لا حدود أو تحديد له”.
أينما ترتاح العين يحضر الجمال والقبول في آنٍ واحدٍ. مات العطار ومات كثيرون صنعوا تماثيل – بعضها يُكرّم وبعضها يُبجّل. وشتّان ما بين الاثنين. ثمّة تماثيل تستحقّ الصمود وأخرى لم ترتَح لها العين لا في زمن “جبروت” أصحابها فكيف لها أن تصمد بعدهم؟ فلتتساقط الأصنام ليرتاح المبصّرون.
ماذا عن “التماثيل” السياسية المتهاوية؟
نخرج من مطار رفيق الحريري الدولي فتُطالعنا “جادّة الإمام الخميني”. ندخل إلى منطقة الغبيري فنجد تمثالًا للإيراني قاسم سليماني. نتّجه نحو الجناح فنرى مجسّمات لا تزال معلقةً لشخصيات لفظتها دولها. فها هم الإيرانيون المحتجّون في دولتهم يُسقطون تمثال قاسم سليماني. قبل اليوم، في العام 2022، دمّر إيرانيون تمثال المرشد الخميني في مدينة أردستان في أصفهان فقبضت السلطة هناك على مَن قيل إنّه أساء للتمثال وأودع -قيل- السجن. وانتهت أخباره. في نفس الوقت، أحرق محتجّون في مدينة شهريار مُجسّمًا للخميني. أليس هذا الحراك تجاه تماثيل من حجر وجبس دليلًا إلى إرادة الشعوب؟ هناك تجرّأوا وهنا يصرّون على رفع تماثيل مرفوضة من مواطنين لبنانيين كثيرين لأشخاص إنْ أشرت إلى شيءٍ فليس إلّا الوصاية الإيرانية أو السورية على لبنان. انتهى النظام السوري. والنظام الإيراني يهوي من قلب جمهوريته. أمّا هنا فهناك مَن يصرّ على التحدي.
ثمة حربٌ عشوائية تنتهج في لبنان سلاحها التماثيل. وكلّما هوى واحد ثبت لنا أن احتلالًا إلى زوال وهيمنة انتهت. وكلّما ارتفع تمثال أجنبي دلّ إلى وصايةٍ جديدةٍ حلّت في بيئات يُفترض أنها لبنانية. أيام الوصاية السورية الكريهة شهدنا كمّ الهوس باسم حافظ -ثم بشار- الأسد. في البقاع، في الجنوب، في شتورا كان تمثالٌ لباسل الأسد على صهوة فرس. وفي بيروت كان قرارًا بإقامة “جادة حافظ الأسد” يتوسطها تمثال له، قبل أن يتقرر إقامة مسلّة حافظ ذاك. هو انتصارٌ بدا من احتلال سوري على جماعةٍ ناهضته طويلًا طويلًا. انتهى مَن ظنّ أنه باقٍ إلى الأبد. وانطلقت الاقتراحات: تسمّى مسلّة حسن نصر الله. تسمّى مسلّة أحمد الشرع… لكن، اليوم، أصبحت جادة حافظ الأسد باسم جادة زياد عاصي الرحباني. انتصر لبنان الجميل.
كان النّظام السوري يقتل في لبنان. وكلّما ظنّ أنه محا شخصية معارضة يرفع له تمثالًا. انتهينا من آل الأسد وهوت تماثيله في لبنان. حدث هذا بعد أن هوَت مجسّمات آل الأسد وتماثيلهم الجامدة في كلّ سوريا. رأيناها على الأرض. ورأينا السوريين يدوسون على صور آل الأسد. دفع الأسد الابن والأب ثمن ما اقترفاه في سوريا ولبنان.
إسقاط تماثيل الزعماء يُفترض أن يخيف من لا يزال صامدًا منهم. ألا تتذكّرون تماثيل الرئيس العراقي صدام حسين؟ ثم الإطاحة بتماثيل الرئيس الليبي معمر القذافي؟ أحذية من تألموا طويلًا من سلوكيّات “الزعماء إلى الأبد” كانت قاسية على رقاب التماثيل التي يفترض أن من صنعها فنانون ذوو أحاسيس مرهفة. فهل ينتبه الخميني إلى كلّ ما سبق؟ هو نجح في القبض على “مواطن” بالجرم المشهود وهو يحطم تمثالًا له لكن ماذا عن عشرات غيرها هوت وستهوي؟
إنّنا نعيش عصر متلازمة تساقط تماثيل الزعماء وجبروتهم. ويا له من سقوط عظيم. فهل من يجرؤ من “الزعماء” بعد -إلى أجل غير قصير- على القبول بتشييد تمثال له؟ في علم الاجتماع كلام عن “أنّ الزعماء لطالما راهنوا على ضعف ثقافة المواطنين في بلادهم، وظنّوا أنّهم يتمكنون من خلال تكريس “الثقافة البصرية” عبر نشر تماثيل لهم وصور توحي بعظمتهم وقدرتهم على البطش بالأعداء وبكلّ مَن يضمر بوجودهم الأزلي شرًّا”. خسئوا. انتهوا. وتماثيلهم أصبحت حطامًا.
لكن، أليس الناس هم أنفسهم من صنعوا التماثيل؟ زمان، أيام سميح العطار، كانت التماثيل تُصنع كفنٍّ وغالبًا بعد وفاة زعيم، لكن، لاحقًا، باتت تُصنع كشكلٍ من أشكال النّفاق الاجتماعي. نصنع تمثالًا لنستحوذ رضى الزعيم. أو نصنع تمثالًا نكاية بفريق آخر في الوطن. أو نصنع تمثالًا لأن الزعيم في بلادٍ كثيرة عربية وعد بأنّه باقٍ إلى الأبد… هي متلازمة غير موجودة -بهذا الحجم- في الغرب. هناك، الرؤساء “ليسوا رؤساء للأبد”. وهناك يُحاسبون.
ماذا عن تماثيل الرئيس الأميركي دونالد ترامب؟
المرشد الإيراني علي الخامنئي يبحث، من حيث هو، عن “فشّة خلق” وجدها في إسقاط مناوئين لسياسة ترامب تمثالًا له فغرّد: “هذا سيسقط (أي ترامب) كما سقط المستبدّون والمستكبرون في العالم مثل فرعون ونمرود ورضا خان ومحمد رضا”. قال الخامنئي ما قال ناسيًا الأسدَيْن والقذافي وصدّام حسين ونفسه. غريب.
في كل حال، في الولايات المتحدة الأميركية يسارع الكثير من المحتجّين أيضًا إلى “طحبشة” تماثيل لكن -وطبعًا- لأسباب تختلف كليًّا عمّا يدور عندنا. هناك حطّموا قبل أعوام تماثيل مرتبطة بحقبة الاستعمار والتمييز العنصري. تمثال كريستوف كولومبس قُبع ورُمي في البحيرة. محتجّون آخرون أنشأوا تماثيل ساخرة وتماثيل مُثيرة للجدل مُطلقين نقاشات حول التاريخ والهوية. نعم، في أميركا حرب بالتماثيل أيضًا لكن شتّان ما بيننا وبين تلك الولايات. هنا “تقديس” غبي لزعيم ورئيس “مدى الحياة” وطغيان وهيمنة. لهذا، يكون سقوط التمثال (ومَن يُمثل) عظيمًا.
ها نحن في القرن الواحد والعشرين. العالم يتغيّر. المنطقة تُرْسَم. فهل الذهنية القديمة المتمثّلة بعبادة أصنام السياسة ستبقى؟ أيها “السياسيون” الذين تعتقدون أنكم سرمديّون شاهدوا ما مرّ بهذا الكوكب في آخر عقدَيْن وتعلّموا. أنتم خرافة والعلم دواء.




