28 شباط 2026 آخر المطاف أو أوله؟ ساكنو بيوت الإيجار القديمة بالأرقام


خاص 6 شباط, 2026

في ملف الإيجارات القديمة الكلّ يشعر أنه مظلوم. اليوم، حُدد الموعد الجديد: 28 شباط هو الموعد الأخير لانتهاء القضية التي بدت وكأنها سرمدية. لكن من لجان المستأجرين ولجان المؤجرين نسمع أصواتاً مختلفة تُنذر بأنّ الملف باقٍ. هي الدوامة الطويلة. فماذا عن واقع الأرض؟ وعن أي مالك وأي مستأجر يتحدثون؟

كتبت نوال نصر لـ”هنا لبنان”:

منذ زمن، منذ وجد لبنان الكبير، كان المواطن العادي يكبر، يدرس، يعمل، يستأجر منزلاً ويتزوج ويعيش بنعيمٍ وهناء، قانعاً، راضياً، زاهداً بكل شيء آخر. كان سقف البيت، في الغالب، حدود العائلة المتواضعة. لكن، كما كل شيء، تغيّر كل الموضوع. فالسقف مهدد باسمِ العدالة. والملكية مهددة باسمِ المستأجر غير القادر على الإنتقال والعيش أو السداد والبقاء. فلنتفق على أمر: كلا الطرفان يلحقهما الغبن. من هنا نبدأ.
نمشي في أرجاء منطقة الأشرفية، أشرفية الصمود في التاريخ الجديد، وأشرفية التراث والبيوت القديمة في التاريخ البعيد. هي تغيرت كثيراً. مبانٍ عالية شُيّدت في أرجائها. وكثير كثير من بيوتها القديمة هُدّت ورحل سكانها. بيت أبو نقولا القرميدي، الذي كان يقع مباشرة وراء منزل غسان تويني، اختفى. أبو نقولا مات. وبناته أخذوا خلواً وغادروا. عائلات كثيرة غادرت بعد تقاضيها “الخلو” وانتقلت إلى بيوت بالإيجار تقع، بغالبيتها، في منطقة البدوي والرميل والكرنتينا حيث الإيجارات أقل لكنها، لسكان الأشرفية، تبقى فيها رائحة البلدة التي يحبون. فلنتجه إلى هناك لنرى بالعين المجردة الحال والأحوال هناك.
سكان البدوي، بغالبيتهم، من كبار السنّ. عشاؤهم زعتر وزيت وفطورهم شاي وإن وجدت اللبنة. هناك مستأجرون جدد ممن نزحوا من أحياء الأشرفية “كلاس واحد” والبقية ممن استأجروا من أيام الإستقلال، أي ممن أعطاهم الله العمر وتجاوزوا الثمانين من العمر. هؤلاء لا يعرفون بالإنترنت، ولا يتابعون الأخبار أولاً بأول، ويكتفون بالجلوس عند المغيب معاً والدردشة في أسعار اللبنة والرغيف. هؤلاء تناهى إلى آذانهم أخيراً أنّ السقف الذي يأويهم مهدد. فماذا يفعلون؟ هؤلاء لا يعرفون أنّ القانون أعطاهم فترة سماح، ونبههم إلى وجود صندوق عليهم التسجيل فيه ليحفظوا حقوقهم إلى أمد قريب. لكن، كما تعلمون، القانون لا يحمي المغفلين. وهؤلاء، في معيار القانون، مغفلين. صحيح أنّ الجهل في القانون لا يعفي من العقوبة لكن فلنتذكر أنّ التعاون قانون الطبيعة.
توجهنا إلى رئيسة تجمع مالكي الأبنية المؤجرة المحامية أنديرا الزهيري ليس لسؤالها مباشرة عن مسار الملف- الذي تتعدد الآراء حوله- بل لنفهم عن نسبة الأشخاص الذي يمكن أن يطالهم تطبيق القانون. فهل هناك إحصاء دقيق عن عدد البيوت ذات الإيجارات القديمة؟ تجيب “آخر الإحصاءات التي جرت حول الموضوع كانت في العام 2019. لم تكن تتعدى الإيجارات القديمة نسبة 20 في المئة من مجموع الإيجارات في البلد، أي نحو 64 ألف وحدة سكنية في كل لبنان. وطبيعي أن تكون النسبة قد تدنت أكثر منذ ذاك الحين بسبب حصول إخلاءات وعقود رضائية إما من خلال تملك المستأجر للمأجور أو إخلاء بحكم قضائي أو استرداد للضرورة العائلية أو الهدم أو توقيع عقود جديدة للإستمرار في العلاقة التعاقدية”.
في الأرقام السابقة، كان مجموع الوحدات المؤجرة في كل لبنان بحسب إحصاءات وزارة المالية حتى بداية العام 2019: 270,226 مأجور، بينها 179,300 عقد جديد، و90,827 عقد قديم، بينها 64,901 عقد سكني. السؤال التالي، كيف توزعت هذه العقود؟ في بيروت 13,158 عقداً، في جبل لبنان 28,312 عقداً، في الشمال 12,152 عقداً، في عكار 474 عقد، في الجنوب 4,343 عقداً، في النبطية 1,231، في زحلة 3,859، في بعلبك 1,397. وهو ما مجموعه 64,926 عقد إيجار سكني قديم في 2019. العدد اليوم، بعد سبع سنوات، طبيعي أن يكون قد تراجع. صحيح أنّ الرقم يتضاءل لكن، حتى لو كان مستأجراً واحداً يفترض أن تبالي به الدولة اللبنانية الأبية. فالسكن حقّ. ومن دخل مرحلة العمر الأخيرة يفترض ألا يُرمى على الطريق.
أنديرا الزهيري تؤيد هذا المنطق بشدة لكنها تؤكد أنّ حماية المسن، الذي لا يتوكل إلا على الله، هي من مسؤولية الدولة لا المالك وتقول “هناك مالكون لعقارات إيجاراتها قديمة يموتون أيضاً على الطرقات وليس لهم معيل. المشكلة مزدوجة وآن أوان حلها” وتشرح “في العام 2014 جرى إحصاء لمن هم دون خط الفقر فتبين أنّ عددهم من هؤلاء المستأجرين 13 ألف عائلة في كل لبنان. في المقابل، مددت المادة 15 من قانون 2017/2 جميع عقود الإيجار السكنية الموقعة قبل 23/ 7/ 1992 بتسع سنوات للمستأجرين غير المستفيدين من الصندوق المخصص لدعم المستأجرين و12 سنة للمستأجرين المستفيدين من الصندوق. وتبدأ هذه المهل من تاريخ 28 شباط 2017. يعني عقود المستأجرين غير المستفيدين من الصندوق تنتهي آخر هذا الشهر”.
ما رأي المستشارة القانونية للجنة الأهلية للمستأجرين المحامية مايا جعارة بهذه المهلة التي تنتهي في 28 هذا الشهر؟ تجيب “المادة 58 من القانون ذاته علقت المهل القانونية المرتبطة بالصندوق واللجان إلى حين تفعيل الصندوق وبدء دفع التعويضات، وهذا يعطي المستفيدين من الصندوق وضعاً خاصاً، ولا يحق للمالك مطالبتهم بأي زيادة أو طلب إخلاء قبل بدء عمل الصندوق. وبالتالي طالما الصندوق معلق فإنّ دخول القانون حيز التنفيذ يبقى مؤجلاً”.
تتحدث المحامية جعارة عن مستأجرين من بين الفئات الهشة. هؤلاء لا يملكون القدرة على الإشتراك بالكهرباء وهؤلاء عددهم كبير في مناطق الرميل والمدور ورأس بيروت. تلك المناطق تعجّ بالمستأجرين القدامى. وهؤلاء لا يبالي بهم أحد. مات عدد كبير منهم في تفجير المرفأ وبعده نتيجة العجز الذي أصابهم بسببه. وهناك من يريد أن “يُكمل” على الآخرين. نحن نتكلم عن هؤلاء بشفافية لا بالتضليل. ونقول لهم، لا تخافوا، لن يفرض عليكم أي قانون بتاريخ 28 شباط. القانون معلق. إطمئنوا”.
نعود إلى المحامية أنديرا الزهيري، فما رأيها بما قالته زميلتها؟ تجيب “بين من يصرخ في الإعلام والواقع مساحة كبيرة. صحيح أننا لن نقبل بأن يرمى أحد على الطريق، كما لم يُرمى أحد خارجاً بعدما حررت الإيجارات أول مرة بعد 23 تموز 1992. وواجب الدولة أن تحمي هؤلاء. لماذا علينا أن ندفع الكهرباء مرتين والمياه مرتين وندفع كلفة الباركينغ في بيروت 100 دولار اشتراك شهري وحين نصل إلى الإيجارات القديمة يقولون لنا: هذا خط أحمر. وهنا أقول لزميلتي مايا (المحامية مايا جعارة): النقابة حددت الإستشارة الشفهية بمئة دولار والكتابية بخمسمئة دولار فهل تقبلين أن تتقاضي دولارين فقط؟ هناك شيء إسمه العدالة وفي القانون هناك شريعة المتعاقدين، والمالك لم يبع عقاره يوم تعاقد بل أجّره، فلماذا لا يحقّ له ما يحق لكل الآخرين؟
28 شباط يقترب. أبو شربل، إبن منطقة ساسين، الساكن منذ زمن بعيد في بيت متواضع قبالة بيت الكتائب في الأشرفية، يجلس على شرفته المطلة على الشارع، يشرب فنجان قهوة. لم يبقَ سواه في البيت. ولده الوحيد استشهد في الحرب. وزوجته ماتت بسرطان الرئة قبل عامين. وهو ينتظر يومياً طبقاً غذائياً يصله من جمعية خيرية ما زالت تطلّ عليه بعدما غابت كل الجمعيات الأخرى. يبتسم أبو شربل حين نسأله: ماذا لو طلب منك أن تغادر المنزل بعد شهر؟ يجيب: “فليفعلوا ما يشاؤون فأنا أعيش حتى اليوم من قلة الموت”. جوابٌ محزن. الملف طويل. المالكون لهم كل الحقّ والمستأجرون- بعض المستأجرين- لهم على دولتهم توفير “حق السكن” لهم. فهل من خيطٍ أبيض في هذا الملف الطويل؟ بناء الخيوط الإجتماعية واجب الدولة ولا أحد آخر. عدد المستأجرين القدامى تضاءل. فلتُدرس كل حالة على حدة وليُتّخذ القرار “من حساب الدولة” فقد آن لهذا الملف أن ينتهي شرط أن لا يُرمى أي مسنّ على قارعة الطريق. ونقطة على السطر.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us