اليدّ الواحدة لا تجني العسل: حتى النّحل يموت من الجوع في لبنان!


خاص 13 شباط, 2026

النحل والنحالون والعسل قصّة. في زمنٍ “العقصات” فيه تأتي من كل الجهات، يبدو النّحل في لبنان “غير مسرور”. لبنان اليوم ما عاد يُشبه لبنان أيام العزّ وباتت “مغامرات نحّول” فيه محفوفة بأخطارٍ جمّة. فهل يدفع ثمنها القطاع بكامله؟ هل بات العسل سمًّا. صرخات النحّالين ترتفع لكن هل مَن يسمع؟

كتبت نوال نصر لـ”هنا لبنان”:

سمعنا في الأسبوعين الماضيين صراخ النحالين عاليًا بدءًا من بلاد البترون وصولًا إلى كل لبنان: “يا حضرة وزير الزراعة نستحلفك بأن ترحم قضاء البترون (وكل الأقضية) وتحمينا من رخص قطع الأحراش من دون الأخذ بالاعتبار بأن مناطقنا تتصحّر”. هم استحلفوا “الزراعة” و”صاحب المعالي” فهل بالإمكان تصويب بعض الأمور؟

حياة النحلة غريبة عجيبة. نسمعها فنردّد “سبحان الله”. نعود ونسمع تفاصيل حياة النحّالين فنردّد “يا الله”. فلماذا لا يستطيع في بلادنا من اختاروا -عن شغف- امتهان هذا المورد لعسلٍ طبيعي مئة في المئة أن يعيشوا ونحلاتهم بسلام؟ القصة وما فيها أن الطبيعة تتغيّر والوزارة لا تحاول -ولو بالحد الأدنى- الحؤول دون “كبّ المزيد من الزيت” على نار القطاع. فظاهرة القطع الجائر لأشجار السنديان في الأقضية -وبينها بلاد البترون- في أوجها. وهذا ما تسبّب في انحسار المراعي الطبيعية وتراجع إنتاج عسل السنديان. وزاد ذلك “طين” التقلّبات المناخية القاسية “بلة”.

فلنسأل أصحاب الاختصاص عن هذا الموضوع. المهندس الزراعي نهاد أبو جودة يتابع هذا القطاع منذ عقود. ويختصر الموضوع بحالة التقلّبات المناخية التي تصيب الكرة الأرضية عمومًا: “النحل، بالإجمال، متعلّق بالطبيعة والمناخ. النحل ليس مثل الدجاج نضعه في أقفاص ونضع له تدفئة فيبيض وليس مثل الأبقار التي تتغذى على الأعلاف. لا يمكننا التدخّل في حياة النحل إلّا بنسبة ثلاثين إلى أربعين في المئة، أمّا النسبة الباقية فتتأثر بالطبيعة المحيطة وتقلّبات الطقس. وبما أننا نعيش تغييرًا مناخيًا قاسيًا. حرّ شديد ثم برد شديد. أي في تطرّفٍ مناخيٍّ شديدٍ، من الطبيعي أن يتراجع القطاع. في تسعينيّات القرن الماضي كانوا يقولون إذا انتهى موسم الشتاء بخسارة 10 في المئة فقط من النحل يكون “عال العال”. الآن رفعوا النسبة إلى عشرين في المئة. إذا اقتصرت الخسارة على عشرين في المئة يكون “عال”. لكنّ الخسائر إلى ازدياد. هذا من دون أمراض. نتكلم عن موت طبيعي”.

لا شيء طبيعي في كوكبنا. والحال في لبناننا دائمًا -كما تعلمون- أسوأ. فالنحّالون مهما تعمّقوا في تربية النحل وفهموه واحتاطوا له “يصلون -بحسب المهندس الزراعي- إلى مرحلةٍ لا يعودون قادرين على التدخّل فيها وهي الطبيعة. الطبيعة تؤثّر جدًّا والواقع البيولوجي إلى تراجع. فماذا يفعلون إذا كانت حرارة الطقس تصل في يوم إلى عشرين أو حتى 25 درجة ثم تعود وتنخفض في اليوم التالي إلى ما دون العشر درجات؟ صعب أن تتأقلم النحلة مع كل هذا التغيير. صحيح أنها عاشت في عصور مختلفة لكنها احتاجت إلى وقت طويل لتتأقلم. أما التطرّف المناخي اليومي السريع فيضرّ بها في الصميم”.

البشر، على كل الكوكب، لهم الأيدي القبيحة في التطرّف المناخي. هذا واضح. أمّا هنا، فيضاف إلى ذلك ما استدعى صراخ النحالين وتمثل بالقطع الجائر لأشجار السنديان “فالنحل يعيش في الطبيعة ويتغذى من المراعي. وحين تتصحّر الطبيعة قد يموت من الجوع. عادةً، النحّالون يطعمونها أيام الشحّ لكن حين نفقد المراعي تدريجيًّا يُصبح الأمر صعبًا. غاباتنا تتحوّل إلى باطون. وما صمد منها يُصيبه اليباس. في السنتين الماضيتين، على سبيل المثال، لوحظ بالعين المجردة يباس شديدٌ في مساحات واسعة من السنديان بسبب شحّ المطر. بدت المراعي صفراء شاحبة”.

المسؤولية في تدهور القطاع مزدوجة. التغيير المناخي في كل الكرة الأرضية من ميل وسببه “فعل الإنسان” والسبب الآخر، بحسب النحالين، القطع الجائر نتيجة الرخص العشوائية التي تمنحها وزارة الزراعة بلا معايير بيئية ولا متابعة واقعية لممارسات مالك الرخصة. مساكين هؤلاء النحالون فكل شيء يكاد ينتهي حتى الثروة الحرجية. ثمة ما يُشبه الإبادة للأحراج. هناك من “يجرمون” الأشجار تحت ستار رخص البناء. وإذا كان صعبًا التدخل في التقلبات البيئية المتطرفة فمن الممكن الحفاظ على المراعي للحدّ منها. لكن، على من تقرأ مزاميرك يا يعقوب؟

فما هي إجراءات وزير الزراعة بالتحديد الذي يعد النحّالين بالحفاظ على القطاع لكنه يعود -حين يغادرون- ويتركهم لحالهم؟

المطلوب الآن، الآن، وقف أي أعمال قطع جائر أو تشحيل غير قانونية وتشديد الرقابة على تنفيذ الرخص الممنوحة ضمن نطاق كل بلدية. ومنع استخدام مبيدات الأعشاب في الأملاك البلدية وما تبقّى من مراعي عامة. وتشجيع المزارعين على اعتماد البدائل الصديقة للبيئة. هناك أمر آخر “يئنّ” من وطأته الكثيرون وهو التعدّيات على النباتات، فهناك أناس يأتون عند الفجر ويقطعون الزوباع والقصعين من بكرة أبيهم. هذا يفترض أن يكون ممنوعًا -ويعاقب عليه القانون- خصوصًا في فترات الإزهار.

المسموح واضح والممنوع أيضًا. لكن، قد يُطلّ مَن يقول “بشو همن”؟ نعم، النحل همّنا أيضًا. فاسمحوا له أقله أن يعيش وأصحابه النحّالون بسلام. في كلِ حال، لبنان -لمَن لا يعرف- يُنتج أفضل أنواع العسل، سواء في الوسط أو الجرد وفي سهل البقاع. وكلّ الإنتاج اللبناني الطبيعي مميّز. وما يختلف بين المناطق هو الطعم واللون لا الجودة. هناك عسل السنديان وعسل الليمون وعسل الكينا والزعتر. طبيعة الاستخدام قد تختلف قليلًا أيضًا. فعسل الزعتر يُفيد في معالجة السعال. وعسل السنديان غني بالمعادن وهكذا دواليك.

نعود إلى، المهندس الزراعي نهاد أبو جودة لسؤاله: كيف ترى القطاع بعد عشر سنوات؟ يُجيب: “لا أعرف كيف سيتحوّل المناخ، لكنني أرى أنّ الكلفة تزيد على النحّال والإنتاج يقلّ. فإنتاج عسل السنديان يرتفع وينخفض (up and down) لكن كمية الانخفاض تزيد على كمية التحسّن. فمعدل إنتاج القفير كان 20 كيلوغرامًا أما اليوم فنحلم بأن يعطينا ثمانية كيلوغرامات في أحسن الأحوال. نحن بحاجة ماسّة إلى حرّاس أحراج. علينا أن نحافظ على المراعي إذا أردنا صمود قطاع النحل. أمّا بالنسبة إلى التغيرات المناخية فتدخّل الدولة فيها محدود. فحتّى لو كان المرعى كلّه أخضر وأتت ظروف مناخية متطرّفة فالنحلة قد لا تستطيع الخروج من القفير وإذا خرجت قد لا تتمكّن من أخذ الرحيق من زهرة ناشفة، لا إفرازات فيها، بفعل الطقس”.

قد يعجب البعض القول: الحقّ على الطبيعة. صحيح، تتحمّل تغيّرات الطبيعة مسؤوليّة في تدهور قطاع النحل في لبنان، لكن، على وزارة الزراعة ألّا “ترفع يدها” وتقول “ما خصّني”. هي قادرة أن تساعد. فلتقم بما تقدر عليه. القطاع يستحقّ. ومَن يجول في الأقضية يتأكّد أن عدد النحالين يزيد في مقابل تدنّي الإنتاج و”غضّ العين”. أخيرًا وليس آخرًا، يستحقّ القطاع على الدولة أن تقتدي بالنحلة النشيطة، الصابرة، المعطاءة.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us