الخبز موجود لكن الحياة الهنيّة مفقودة… جلجلة الرّغيف في لبنان


خاص 16 نيسان, 2026

هو نيسان آخر يحلّ. ولنا في كلِ نيسان -وسواه- ذكريات حزينة. شرارة الحرب الأهلية بدأت، قبل واحد وخمسين عامًا، في مثل هذا الشهر. يا الله كم يمرّ الوقت سريعًا. مَن ولدوا البارحة، في نيسان 1975، أصبحوا في 2026 في المقلب الثاني من العمر، وما زالت الأزمات والهموم تتكرّر في حياتهم نفسها. لن ندخل اليوم، ونحن في قلب الحرب الكبيرة الجديدة، في متاهات الأزمات كلها لكننا سنسأل: ماذا عن الخبز الذي لا يمكن أن تستمرّ الحياة من دونه؟ كم مرّ البلد ومَن فيه -في واحد وخمسين عامًا- في أزمة فقدان الخبز؟ في نيسان هذا، فلنأخذ أزمة الخبز التي هدّدت الأحياء مرارًا وتكرارًا، فكم من قطوع مرّ فيه “الرغيف” على شكل محنة واضطراب وشدة وضيق وكارثة وحرب؟ للرغيف في بلادنا جلجلة. وللخبز سرديات. وإذا كانت المقولة الرّائجة: الخبز والملح لا يتقاتلان، فإنّ الخبز لدى البعض، في التجربة اللبنانية الأليمة المتمادية، يحتاج إلى المزيد من “الملح” لتتحقّق فيه المقولة الشعبية: بيناتنا خبز وملح. فلنغُص في القصة المتجدّدة لنتأكد ممّا إذا كان المستهلك اللبناني في أمان حقيقي لناحية توافر الخبز في الأزمة الجديدة المستعرة. فالخبز مثل صوت الأطفال ضرورة حتّى لو لم يكن بالخبز وحده يحيا الإنسان

كتبت نوال نصر لـ”هنا لبنان”:

قد يكون مسار ومصير الخبز -في رأي البعض- في زحمة التطوّرات الكبيرة التي تجتاح البلاد، خبرًا ثانويًا. لكن، من يقترب من فقراء بلادنا أكثر -وعددهم هائل- يعرف أنّ الخبز وحده هو ما يشدّ ركاب الكثيرين ويُبقيهم أحياء يرزقون. فلندخل في تفاصيل ربطة الخبز في بلادنا. فلنصدّق أننا في أمان. ناصر سرور، رئيس نقابة الأفران في بيروت وجبل لبنان للمخابز العربية، طمأن كلّ مَن يسألون. فهل نطمئن؟ الخبز، بحسب رئيس نقابة عمال المخابز في بيروت وجبل لبنان شحادة المصري “موجود بكمية تكفي أقلّه أربعة أشهر مقبلة، وهناك باخرتان “على الطريق” تصلان بعد ثمانية عشر يومًا”.

من الصّعب أن نتحدّث مع أيٍّ كان -نزح من منزله وينتظر “الفرج”- عن الخبز، لكن النّقيب المصري يؤكّد أنّه “يفصل بين الشخصي والعام”. نتجاوز مسألة النّزوح لنسأله بشكلٍ أدقٍّ عن قوت اللبنانيين الحيوي من الخبز فيُجدّد التأكيد “لا أزمة. كان لدينا مخزون يكفي مدة شهر، لكن وصلت شحنة من 440 ألف طن تكفي أربعة أشهر. وانخفض استهلاك قمح الطحين أيضًا انخفض بنسبة أربعين في المئة (من 27 ألف طن شهريًا إلى 16 ألف طن شهريًا) وذلك لسببَيْن: أولهما، مغادرة الكثير من السوريين النّازحين لبنان. وثانيهما، رفع الدعم عن الطحين فئة 85 المستخدم في صناعة الخبز، الذي طالما استفاد منه طوال فترات الدعم -بلا وجه حقّ- أصحاب الأفران في صناعة الكعك والحلويات. رفع الدعم عنه أدّى إلى انخفاض استهلاكه”.

الرغيف “خط أحمر” يُهدد الأمن الاجتماعي. هو سلاح من نوع آخر. فكيف “يقاوم” رغيف الفقراء في الأزمات؟ ارتفع سعر ربطة الخبز في شهر واحد، في آذار 2026، مرّتَيْن. هذا، في الحالات العادية، كثير وكان يمكن أن يؤسّس إلى حركة اجتماعية تصل حدّ الثورة. لكنّ اللبنانيّين لكثرة ما راكموا من أثقالٍ على أكتافهم أصبحوا مثل “الروبوت” يؤدّون المطلوب ونقطة على السطر. تعب الناس كثيرًا. ملّوا. هم يسدّدون ثمن الرغيف ويمضون في همومٍ أثقل من جبال. أصبح الهمّ الأول: توفّر الرغيف لا سعره. الرغيف -على ذمة مَن بيدهم الملف- متوفر. اطمئنّوا. ماذا بعد؟

تتركّز الأفران، كما الجماعات والطوائف في لبنان، في مناطق محسوبة عليها مذهبيًّا. أفران الوفاء. أفران الهادي. أفران شمسين. أفران نصرالله… في المناطق ذات الأكثرية الشيعيّة. في المناطق المسيحيّة والسنية والدرزية تتركّز أفران أخرى مختلفة. فهل يشعر اللبنانيون بلذّة طعم الخبز في أفرانٍ محسوبة طائفيًّا عليهم؟ ليس بالضرورة لكن الأفران -كما العباد- تتوزّع فطريًا في مناطق محسوبة على طائفتها. وحين تقوى تتمدّد. وهذا ما فعلته -على سبيل المثال لا الحصر- أفران الهادي التي توسّعت بمنتجاتها إلى كسروان المسيحيّة والطريق الجديدة السنية والمختارة الدرزية. الأفران -كما القوى المسلحة- تشعر حين تتمدّد في شوارع سواها أنّها منتصرة.

اللغة الطائفية طبعًا مقيتة لكن، في كلّ مرة نحاول أن ننساها يأتي مَن يوقعنا مجدّدًا في شرّها تحت دواعي مختلفة أقلّه أنه حامي الحمى. فلنعد إلى الخبز. هو أصبح اليوم يُباع ويُشترى في سوقٍ حرّةٍ حتّى ولو كان سعر الربطة الرسمي قد أصبح 75 ألف ليرة – بعد الزيادة مرتَيْن في شهر آذار الماضي. السعر مُحدّد في الأفران. والتجّار يمكنهم بيع الربطة -وفق وزارة الاقتصاد- بتسعين ألفًا. لكن ما يحصل بحسب النقيب شحادة “أنّ بعض التجّار يبيعون وفق العرض والطلب. ثمّة أفران تدّعي بوجود أزمة لترفع السعر. هي أفران أشبه بدكاكين تتلاعب بالأسعار خصوصًا في المناطق التي تشهد اليوم فلتانًا أو ضغطًا بشريًا. هناك تجّار أزمات في كل مكان. وهناك أفران أقفلت بسبب الحرب الأخيرة. أفران يونس في دير الزهراني مثلًا توقّفت عن العمل. في المقابل، هناك أفران لا تزال تعمل في أماكن التهجير وتشحن ربطات الخبز إلى مراكز الإيواء. وهناك متبرّعون يطلبون من الأفران ربطات خبز بلا اسم الفرن لتوزيعها مجانًا”. ماذا نفهم من كل ذلك؟ قطاع الخبز -باختصار- يتخبّط اليوم بين إقفال وأسعار مضاربة وحرب ومحاولة بقاء.

أكثر من ثمانين في المئة من الأفران العاملة في لبنان موجودة في الضاحية الجنوبية لبيروت. فرن السياد في برج البراجنة توقف كليًّا عن العمل “ما ضلّ حدا” بحسب نقيب عمال المخابز في لبنان. هناك لمَن لا يعرف أكثر من مئتي فرن مسجّلين في مؤسّسة الضمان الاجتماعي. وهناك خمسة أفران تحتكر أكثر من ستين في المئة من تجارة الخبز في لبنان هي: “مولان دور” و”شمسين” و”السلطان” و”وودن بيكر” و”بان دور”. ويفترض أن لا يخاف الفقير من إقفال أفران كليًّا في مناطق لأن وجود الأفران الآلية الحديثة قادرة على أن تلبّي الفرق. ثمّة أفران حديثة قادرة على أن تنتج أكثر من 10 أطنان طحين يوميًّا. والطنّ الواحد ينتج نحو 14 ألف ربطة خبز. يعني 10 أطنان من الطحين تُنتج 14 ألف ربطة. مع التذكير أنّ حاجة لبنان حاليًّا هو 14 ألف طن شهريًّا. ما معناه أن ثلاثة أو أربعة أفران حديثة قد تكفي إنتاج ما تحتاجه السوق اللبنانية.

نتابع مَن “يتابع” أزمة الخبز هذه الأيام فنقرأ عشرات الأسماء المسجلة نقابيًّا بشكلٍ وهميٍّ. نقابة عمال الأفران في البقاع مثلًا مجرّد اسم بلا فعّالية. ومثلها أمثلة. النقابات الطائفية عزّزت كمّ الأسماء النقابية الوهمية. يوجد في لبنان نحو ستين اتحادًا وأكثر من 700 نقابة في حين أنّ في مصر اتحادَيْن فقط لا غير. فماذا علينا أن نقول في هذه الحالة؟ لبنان لا يشبه سواه.

في عزّ أزمات الخبز يتذكّر اللبنانيّون أيام العزّ. أولاد الأشرفيّة مثلًا يتذكّرون الأفران في المنطقة التي اندثر معظمها أمام “هجمة” المخابز الحديثة. كانت تلك الأفران تعمل حتّى “تحت النار” لتلبية احتياجات السكّان الذين كانوا يطمئنون إلى وجودها. وحين يُسألون عن الأسماء في الذّاكرة يتحدّثون عن فرن شقير وماتيوس وبيضون (ما زال موجودًا) وعواضة والحايك والمزار والنجاح والغلام والسيدة والكفوري وأفندي وفاسكان وعمو نجيب… كانت الأفران في الأحياء تعزّز الشعور بالأمان الغذائي. كل شيء تغيّر.

نعود إلى أزمة اليوم. الخبز -يا عالم- موجود حتى إشعار آخر. وإذا كان بالإمكان شراؤه بعد فإنّ أسعار المنقوشة والكعك والخبز الأسمر والشوفان والقمحة الكاملة فبلا ضوابط. اللبنانيّون أصبحوا يضعون ميزانيّة شهرية لشراء المنقوشة التي كانت قوت الفقير. هم يفعلون ذلك غير مبالين بالتسعيرة فالأهم لهم الآن أن يبقى في البلد طحين ورغيف وقوت فقير. إنّه الزمن الصعب. وفي الأوقات الصعبة يجب التركيز على ما يمكن فعله (وشراؤه) لا على ما لا يمكن فعله. اللبنانيّون باتوا مدرسةً في هذا المجال.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us