أزمة النزوح تعيد تشكيل “المزاج الشيعي” في لبنان من ملحمة الصمود إلى أزمة البقاء والبحث عن الأمان

إذا ما استمر “الحزب” في رهاناته العسكرية، فإنّ الهوة بينه وبين بيئته لن تزداد اتساعاً فحسب، بل قد تؤدي إلى نشوء تكتلات شيعية مستقلة، تُعيد تعريف علاقة الطائفة بالدولة وبباقي المكونات اللبنانية
كتبت إليونور أسطفان لـ”هنا لبنان”:
منذ حرب إسناد غزة وبعدها حرب الإنتقام للسيد علي خامنئي لا يزال نزوح الشيعة من الجنوب والضاحية الجنوبية مستمراً، إذ لم تعد قوافل النازحين مجرد صورة لمعاناة إنسانية بل أصبحت تكشف فداحة الكلفة التي تدفعها هذه الطائفة دماً ومالاً ورزقاً وأعصاباً. ومع استمرار تعثر الخطة الوطنية للطوارئ وعدم تدفق الأموال الدولية المرتبطة بوعود نزع السلاح، يجد الشيعة اللبنانيون أنفسهم في مهب الريح وأمام واقع مرير، يشوبه الغضب والألم حيث تتآكل معه السردية التي كانت تربط بين قوة حزب الله وقوة الطائفة. ومع تدمير القرى الجنوبية وبناها التحتية، تجد العائلات الشيعية نفسها تدفع ثمناً باهظاً لمغامرات إقليمية لا تجد فيها مصلحة مباشرة، وهو ما بدأ يظهر في نقاشات داخلية حول جدوى التضحية مقابل واقع مدمر وخسارات متتالية بشراً وحجراً ومؤسسات وأعمال بالنيابة عن إيران.
وبحسب آخر الإحصاءات فإنّ أكثر من مليون شخص نزحوا من قراهم ممن خسروا وظائفهم حيث تجاوزت نسبة البطالة 45% تضاف إلى أكثر من 2400 قتيل وأكثر من 7700 جريح وخسائر إقتصادية ومالية بمئات ملايين الدولارات أضافة إلى تضرر وتدمير أكثر من 220 ألف وحدة سكنية.
في ظل هذا الواقع المؤلم بدأت أصوات شيعة الجنوب تعلو والتساؤلات حول نهاية الحرب والمصير تكثر بعد أن أنهكهم التعب من دفع حياتهم ومستقبل أبنائهم ثمناً لمغامرات عبثية لم تصل إلى نتيجة سوى الخراب والدمار.
فالعائلات التي فقدت منازلها وسبل عيشها باتت تنظر إلى قرى “الخط الأصفر” التي يدمرها الجيش الإسرائيلي يومياً بأنها أصبحت حلماً بعيد المنال في حال عدم نجاح المفاوضات من جهة وقتال حزب الله من جهة أخرى على استعادتها، ومن هنا بدأت آلاف العائلات تبحث عن ملاذات بعيدة عن سيطرة الحزب وتريد العيش تحت كنف وحماية الدولة. وكانت صورة الحاج حسين فقيه ابن الـ 87 عاماً الذي ينام على ركام منزله في صريفا والتي اجتاحت مواقع التواصل الإجتماعي أصدق تعبير عن وجع أهالي الجنوب وألم فقدانهم لبيوتهم وأحبائهم.
زينب النازحة من الجنوب وبعدها من الضاحية واحدة من سيدات كثر روت قصتها بحرقة لموقع “هنا لبنان”، هي التي أجبرت منذ 7 سنوات على ترك الإمارات مع عائلتها بعد ترحيل العديد من الشيعة حيث ذهب “الصالح بعزا الطالح” كما تقول بسبب خلايا حزب الله والتي كانت تريد زعزعة أمن الإمارات. فعدنا إلى لبنان بعد 15 سنة قضيناها في بلاد الأمان والاستقرار بسبب مغامرات الحزب التي أدت إلى خسارتنا أعمالنا وأموالنا ومستقبلنا، فكان النزوح الأول الذي نتج عنه مرض زوجي بالسرطان نتيجة القهر والغضب على خسارة جنى العمر، وبعدها بخمس سنوات توفي تاركاً 4 أولاد وسط أزمة مالية عصفت بالبلد حيث خسرنا أموالنا وجنى العمر. وتضيف زينب: “قمت بالمستحيل لتربيتهم على حب الوطن وجيشه ومؤسسات الدولة علهم ينعمون بنوع من الأمان والإستقرار. ومع أول حرب لإسناد غزة كان النزوح الثاني باتجاه بعبدا ومن ثم إلى بحمدون لنعود بعدها إلى منزل مدمر في الضاحية ومنزل مدمر في الجنوب. سكتنا وعضضنا على الجرح وقمنا بترميم للمنزلين من جيبنا الخاص بعد أن تأخر الحزب في دفع المساعدات والمستحقات. أما النزوح الثالث فكان في آذار مع حرب الحزب كرمى لعيون الخامنئي وفداء للسيد نصرالله فما كان منا إلا الهروب والإنتقال الى بلدة كفرشيما حيث إستأجرنا منزلاً صغيرا يأوينا من القصف الإسرائيلي. لكن ومع إعلان هدنة الأسابيع الثلاثة لم يدخل الإطمئنان إلى قلب زينب وتسكنها الحيرة من تجديد عقد الإيجار المنهك لشهر جديد، لأنّ الأوضاع لا تبشر بالإستقرار والعودة إلى الضاحية بعد أن وجدت بيتها سليماً نوعاً ما وأضراره بسيطة نظراً للدمار الحاصل. فيما علمت بتدمير منزلها الجنوبي وحلم زوجها فبكت على تعب العمر الذي ضاع هباءً ولا تريده أن يكون فداءً لأحد. وتنهي روايتها بالقول علنا نعود إلى منزلنا الذي يأوينا من الشرور ويحمي كرامتنا التي لا يحميها إلا الوطن والجيش.
تساؤلات كثيرة بدأت تطرح ضمن بيئة حزب الله، فالشيعة اللبنانيون كما يريدون أن يسموا يتساءلون حول متى سنتوقف عن دفع مغامرات حزب يتبع إيران ولا يمتلك فيها أي قرار؟ بأي ثمن؟ ولصالح من؟ لا سيما بعد عودة الكثيرين منهم بعد إعلان الهدنة الأولى والثانية إلى الجنوب والضاحية ومع نزوحهم اليومي بعد التهديدات الإسرائيلية بالإخلاء.
وبحسب مصادر مقربة من عين التينة لموقع “هنا لبنان” فإنّ القلق الكبير والهاجس الأكبر الذي ينتاب رئيس مجلس النواب نبيه بري هو موضوع النزوح وكيفية تخطي تداعيات هذه الأزمة قبل قضية عودة النازحين إلى قراهم، بعد أن لاحظ تبدل المزاج الشيعي الذي أصبح باحثاً عن الأمان فقط بسبب الحرب التي لم يعرف متى تنتهي وكيف، حيث يكثف اتصالاته مع أكثر من جهة من أجل عودة الدعم الدولي وتقديم المساعدات وصولاً إلى الإتصالات الدبلوماسية لإيجاد حل لوقف الحرب نهائياً.
وإذا ما استمر حزب الله في رهاناته العسكرية، فإنّ الهوة بينه وبين بيئته لن تزداد اتساعاً فحسب، بل قد تؤدي إلى نشوء تكتلات شيعية مستقلة، تُعيد تعريف علاقة الطائفة بالدولة وبباقي المكونات اللبنانية.




