بين التردّد والدّعم… مَن يحمي موقع لبنان التفاوضي؟!

إنّ إنجاح مسار التفاوض، هو مسؤوليّة وطنية مشتركة، تتطلب دعمًا سياسيًّا صريحًا، وغطاءً شعبيًّا واسعًا، وإدراكًا بأن البديل عن التفاوض ليس المواجهة فقط، بل استمرار الحرب… والانهيار، فيما يبقى السلام خيارًا لبنانيًّا يُحقّق مصلحةً وطنيةً صافيةً إذا أُحسن التفاوض عليه.
كتب طوني كرم لـ”هنا لبنان”:
لم يعد النقاش في لبنان يدور حول مبدأ التفاوض مع إسرائيل، بقدر ما يتمحور حول مستواه، ومَن يتحمّل تبعاته. فالمسار الذي يقوده رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون لا يمكن التعامل معه كخيارٍ سياسي عابر أو مبادرة قابلة للاستهلاك الداخلي، بل كمسارٍ سياديٍّ يُعيد طرح موقع لبنان ودوره وحدود قراره الوطني.
لقد نجح الرئيس جوزاف عون، إلى حدٍّ بعيدٍ، في استعادة ورقة القرار اللبناني من أيدي قوى إقليمية تعاقبت على الإمساك بها منذ عقود، من الفلسطينيين عام 1969، إلى السوريين مع نظام الأسد، وصولًا إلى الإيرانيين مع خامنئي. هذا التحوّل أعاد للبنان موقعه الطبيعي كدولة تفاوض باسم نفسها، لا كملفٍ ملحقٍ بصراعات الآخرين. غير أن هذا الإنجاز، على أهميته، لا يكفي وحده لضمان النجاح، إذ يبقى مشروطًا بتوافر عنصرَيْن أساسيَّيْن: وحدة داخلية صلبة، ودعم عربي واضح، وهو ما لا يبدو متوافرًا حتى الآن بالقدر المطلوب.
المشكلة اليوم لا تكمن فقط في تعقيدات التفاوض مع إسرائيل، بل في التردّد اللبناني الداخلي حيال هذا المسار. فبدلًا من الالتفاف حول موقع الرئاسة ودعمه في معركة تفاوضية حسّاسة، تبدو القوى السياسية منقسمة أو متحفّظة، تراقب من بعيد، وكأنّها غير معنية، وتستعد لاقتسام النتائج لا لصناعتها. بعض هذه القوى، وفي طليعتها ما يمثّل موقع رئاسة الحكومة، يتعاطى مع المفاوضات بمنطق “انتظار النتائج”: فإن نجحت المفاوضات، كان شريكًا في الإنجاز؛ وإن تعثرت، سارع إلى تحميل الرئيس الماروني وحده المسؤولية.
هذا السلوك لا يعكس فقط حسابات سياسية ضيّقة، بل يُشكّل خطرًا حقيقيًّا على موقع لبنان التفاوضي. فالدول لا تفاوض بفعّالية عندما تكون جبهتها الداخلية “مفكّكة”، ولا تستطيع انتزاع حقوقها إذا كانت الرسائل الصادرة عنها متناقضة. وفي ظلّ غياب دعم عربي حاسم، وتحديدًا مع الدعوات إلى تريّث لبنان وربط أي خطوة مع إسرائيل بـ”المبادرة العربية للسلام”؛ يصبح الموقف اللبناني أكثر هشاشةً أمام الضغوط الدولية والإسرائيلية. ويجد لبنان نفسه أمام معادلة معقّدة: التقدّم في التفاوض من دون غطاء كافٍ، أو التراجع وانتظار توافقات قد لا تأتي!
أمّا إسرائيل، فلا تبدو معنيّةً فعليًّا بالسلام بقدر ما تسعى إلى فرض وقائع أمنية جديدة تخدم مصالحها المباشرة، سواء عبر توسيع نطاق سيطرتها أو من خلال تكريس مناطق عازلة تضمن أمنها. وهذا ما يفرض على لبنان أن يتعامل مع التفاوض كوسيلةٍ لانتزاع الحقوق، لا كمسارٍ شكليٍّ أو محاولة لشراء الوقت. وهنا تحديدًا تبرز الحاجة إلى موقف لبناني موحّد يحدّد الأولويات بوضوح: وقف الاعتداءات، الانسحاب، تثبيت السيادة، ومعالجة الملفات العالقة.
اللافت أنّه، مع تفاقم المخاطر التي تهدّد مستقبل لبنان ووحدته وسلامة أراضيه، ينزلق النقاش الداخلي نحو مقاربة فئوية – طائفيّة للمسار التفاوضي القائم، وكأنّ نجاحه أو فشله مرتبط بشخص رئيس الجمهورية. هذا التبسيط لا يعكس طبيعة المرحلة. فالتفاوض، في هذا التوقيت، هو مسؤوليّة الدولة بكل مؤسّساتها، وليس مبادرةً فرديةً يمكن تحميلها لشخص “الرئيس الماروني” أو ربطها بطائفة بعينها. التعامل معه بهذه الذهنية يفتح الباب أمام سيناريو خطير: التنصّل الجماعي، سنيًّا وشيعيًّا، عند تعثّر التفاوض، والادّعاء بالشراكة في حال تمكّن لبنان من انتزاع مطالبه.
من هنا، يصبح السؤال الفعلي: هل يريد لبنان أن يخوض هذا الاستحقاق كدولةٍ موحّدةٍ، أم كمكوّنات سياسية – طائفيّة متناحرة؟ تُضمر للرئيس التعثّر من أجل إعادة دفع مكوّن فاعل إلى اتخاذ خيارات من شأنها أن تضع إعادة النظر في التركيبة اللبنانية والانتماء العربي” على نارٍ حامية… كما موقع لبنان في المرحلة المقبلة.
نجاح مسار التفاوض، إذا تحقّق، لن يكون انتصارًا لرئيس الجمهورية بقدر ما هو تثبيت لعودة القرار إلى الدولة اللبنانية. أمّا تعثّره، فلن يُسجّل خسارة على فريق دون آخر، بل سيعني عمليًّا إضاعة فرصة جديدة، وتعميق أزمة بلد لم يعد يحتمل مزيدًا من الإخفاقات. لذلك؛ فإنّ إنجاح هذا المسار، هو مسؤوليّة وطنية مشتركة، تتطلب دعمًا سياسيًّا صريحًا، وغطاءً شعبيًّا واسعًا، وإدراكًا بأن البديل عن التفاوض ليس المواجهة فقط، بل استمرار الحرب… والانهيار، فيما يبقى السلام خيارًا لبنانيًّا يحقّق مصلحةً وطنيةً صافيةً إذا أُحسن التفاوض عليه.
مواضيع مماثلة للكاتب:
لبنان بعد اتفاق الإطار: نهاية زمن المحاور؟ | هرمز يقلب المعادلة… ويُسقط الكرة في ملعب الحلفاء | المعادلة الساقطة: سوق المقايضات الكبرى… ولبنان |




