النظام الإيراني يلعب آخر أوراقه

لا مكان بعد اليوم لأنصاف الحلول، ولا لترف الانتظار. المنطقة دخلت مرحلة كسر الإرادات، لا إدارتها. الأخطر أنّ ما نشهده ليس الحرب، بل ما قبلها. بروفة أخيرة، اختبار نيات، ورفع سقوف. طهران تختبر حدود الرد، وواشنطن تختبر جدية التهديد. وبينهما، إقليم بأكمله يُدفع إلى حافة الانفجار
كتب جوني فتوحي لـ”هنا لبنان”:
التعقيدات الجيوسياسية لم تعد توصيفًا أكاديميًا باردًا، بل مشهدًا حيًا يتفجّر على أكثر من جبهة. من جنوب لبنان حيث تتداخل أصداء المدافع مع حسابات النار، إلى الممرات الدبلوماسية التي تُحتضر فيها المبادرات، لم يعد السؤال: هل يقع الصدام بين طهران وواشنطن؟ بل كيف سيُدار الانفجار، ومتى؟
في إسلام آباد، لم تفشل المفاوضات فحسب، بل سقطت آخر أوراق التجميل الدبلوماسي. واشنطن لم تعد تقبل بأقل من تفكيك شامل لقدرات التخصيب، مقرونًا بتغيير جذري في السلوك الإقليمي الإيراني. أما طهران، فتتعاطى مع هذه الشروط كإعلان استسلام مقنّع. هنا تحديدًا، تنكشف الحقيقة: إيران تلعب على حافة الهاوية، لا لتتجنب السقوط، بل لتساوم عليه.
المشكلة أنّ هذه اللعبة لم تعد تُخيف أحدًا. صبر دونالد ترامب بدأ ينفد، ومعه يتآكل الهامش الذي كانت طهران تراهن عليه. سياسة “الضغط الأقصى” لم تعد مجرد شعار، بل مسار يتّجه نحو مزيد من الخنق. وإيران، بدل أن تبحث عن مخرج، تستهلك آخر أوراقها باستهداف الخليج، محاولةً تعميم الفوضى كوسيلة تفاوض. لكنها مقامرة مكشوفة: كل صاروخ يُطلق، وكل تهديد يُرفع، يقرّب ساعة الحساب بدل أن يؤجلها.
في موازاة ذلك، يتحول الجنوب اللبناني إلى ساحة اختبار مفتوحة. ما يجري بين حزب الله وإسرائيل لم يعد ضمن قواعد الاشتباك، بل تجاوزها إلى حرب فعلية منخفضة الوتيرة، عالية المخاطر. القرار 1701 يتهاوى تحت وقع الصواريخ والغارات، فيما الرسائل تُكتب بالنار: لبنان ليس إلا صندوق بريد في صراع أكبر، تُدار مفاتيحه في طهران وواشنطن.
المسار واضح لمن يريد أن يرى: تصعيد مدروس يقود إلى حصار خانق، يتبعه ضربات مؤلمة لإيران، في محاولة لإعادة ضبط التوازن بالقوة. لا مكان بعد اليوم لأنصاف الحلول، ولا لترف الانتظار. المنطقة دخلت مرحلة كسر الإرادات، لا إدارتها.
الأخطر أن ما نشهده ليس الحرب، بل ما قبلها. بروفة أخيرة، اختبار نيات، ورفع سقوف. طهران تختبر حدود الرد، وواشنطن تختبر جدية التهديد. وبينهما، إقليم بأكمله يُدفع إلى حافة الانفجار.
صيف 2026 لا يبدو عابرًا. إنه مفصل تاريخي، حيث تُسحب الأقنعة، وتُحسم الخيارات. إما تسوية بشروط قاسية، أو مواجهة تكتب الفصل الأكثر عنفًا في تاريخ المنطقة الحديث.
مواضيع مماثلة للكاتب:
لماذا ترتعد طهران من فكرة “ما بعد الحرب”؟! | لبنان في بازار واشنطن وطهران: صراع السيادة على طاولة المحاور | لماذا لن يجد الحزب طريقاً إلى “7 أيار” جديد؟ |




