بيروت تفقد نبض الليل… الحرب تُطفئ السّهر وتهزّ قطاع المطاعم والملاهي الليليّة!

البلد يمتلك مقوّماتٍ سياحيّةً وثقافيّةً وتراثيّةً كبيرةً، إلى جانب موارده البشريّة والمطبخ اللبنانيّ والطبيعة الخلابة، إلّا أنّ غياب الاستقرار يبدّد هذه الإمكانات ويمنع الاستفادة منها، مع تفاقم ظاهرة الهجرة خصوصًا في صفوف الشباب والكفاءات.
كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:
لم تعد بيروت التي عُرفت لعقود بمدينة الحياة والسهر حتى ساعات الفجر، كما كانت. فالشوارع التي كانت تضجّ بالموسيقى والضحكات والأضواء، تحوّلت اليوم إلى طرقات هادئة يُخيّم عليها القلق والخوف، بعدما فرضت الحرب والتوتّرات الأمنيّة واقعًا جديدًا غيّر ملامح الحياة اليوميّة في لبنان.
المدينة التي لطالما حملت لقب “المدينة التي لا تنام”، تشهد اليوم تراجعًا غير مسبوقٍ في الحركة الليليّة، مع شبه غياب للسهرات والحفلات والمناسبات الاجتماعيّة. أما المطاعم والمقاهي والملاهي الليليّة التي كانت تستقبل آلاف الروّاد يوميًّا، فأصبحت تعاني من فراغ واضح وانخفاض كبير في عدد الزبائن، في ظلّ خوف اللبنانيين من التصعيد الأمنيّ والأوضاع الاقتصاديّة الخانقة.
ولم يقتصر تأثير الحرب على القطاع السياحيّ والترفيهيّ فقط، بل طال أيضًا العادات الاجتماعيّة للبنانيين، الذين بدّل الكثيرون منهم نمط حياتهم اليوميّة، مفضّلين البقاء في منازلهم أو الاكتفاء بجلسات بسيطة بعيدًا عن أجواء السهر التي اشتهر بها لبنان لسنوات طويلة.
ومع استمرار التوتّر وغياب الاستقرار، يبدو أن بيروت تخسر تدريجيًّا صورتها كواحدةٍ من أبرز وجهات السهر والترفيه في المنطقة، فيما يُواجه قطاع المطاعم والمقاهي والملاهي الليليّة أزمةً غير مسبوقةٍ تُهدّد استمراريّته وتنعكس سلبًا على آلاف العاملين فيه.
يقول ناجي لـ”هنا لبنان” وهو شاب اعتاد تمضية عطلات نهاية الأسبوع في السهر مع أصدقائه: “قبل الحرب كنت أسهر بشكلٍ شبه يوميّ في المطاعم والملاهي الليليّة، لكن اليوم تغيّر كل شيء. الخوف من التوتّر الأمنيّ وارتفاع المصاريف جعلاني أفضّل البقاء في المنزل أو اللقاء مع الأصدقاء في جلسات بسيطة وهادئة. حتّى فكرة السهر لم تعد تمنحنا الشعور نفسه بالراحة”.
أمّا رولا، فأكّدت أنّ الحرب بدّلت أسلوب حياتها بالكامل، مشيرةً إلى أنّها أصبحت تتجنّب الأماكن المزدحمة والسهر حتى ساعات متأخرة. وقالت: “كنا ننتظر الصيف لنعيش أجواء الحفلات والمهرجانات، لكن الظروف الحاليّة فرضت علينا نمط حياة مختلفًا. صرنا نبحث عن الأمان والهدوء أكثر من أي شيء آخر، وحتى المناسبات الاجتماعيّة أصبحت محدودة جدًّا مقارنةً بالسنوات الماضيّة”.
وفي هذا الإطار، قال نائب رئيس نقابة أصحاب المقاهي والمطاعم والملاهي الليليّة في لبنان خالد نزهة، إنّ لبنان يمرّ اليوم بواحدةٍ من أخطر المراحل في تاريخه الحديث، في ظلّ الحرب الإقليميّة المتصاعدة التي توسّعت رقعتها الجغرافيّة وطالت قرًى ومدنًا لبنانيّة عدّة، مُخلفةً ضحايا يوميّين وخسائر بمليارات الدولارات، إضافةً إلى تداعيات نفسيّة واجتماعيّة واقتصاديّة كارثيّة على اللبنانيين.
وأشار نزهة إلى أنّ استمرار القصف والتوتّر الأمنيّ في لبنان انعكس بشكل مباشر على مختلف القطاعات الاقتصاديّة، وفي مقدّمتها القطاع السياحيّ والترفيهيّ، الذي يعيش اليوم “حالة موت سريريّة” في ظلّ غياب أي رؤية اقتصاديّة واضحة أو خطة إنقاذ فعليّة.
وأوضح أن الحياة الليليّة في لبنان تكاد تكون مشلولةً بالكامل، بعدما أدّت الاعتداءات الأخيرة إلى حالة خوف واسعة أثّرت في الحركة السياحيّة والنشاطات الاجتماعيّة والفنيّة، لافتًا إلى أنّ الأضرار لم تقتصر على الممتلكات والمنشآت، بل طالت معنويات اللبنانيين وإحساسهم بالأمان والاستقرار.
وأضاف أنّ القطاع السياحيّ، الذي لطالما شكّل ركيزةً أساسيّةً للاقتصاد اللبنانيّ ومصدرًا سريعًا للعملة الصعبة، تلقّى ضربةً قاسيةً نتيجة الحرب والأزمات المتراكمة منذ عام 2019، بدءًا من الانهيار الماليّ واحتجاز أموال المودعين، وصولًا إلى تدهور سعر صرف الليرة وغياب الثّقة بالواقعَيْن الماليّ والسياسيّ.
وشدّد نزهة على أنّ المؤسّسات السياحيّة والمطاعم اضطرّت خلال الأشهر الماضيّة إلى اعتماد خطط طوارئ قاسية لتخفيف النفقات وتقليص حجم التشغيل حفاظًا على استمراريّتها، إلّا أنّ استمرار الحرب والاستنزاف الاقتصاديّ يدفعان عددًا متزايدًا من المؤسّسات إلى الإقفال التدريجيّ وصرف الموظفين.
وأشار إلى أنّ الكلفة التشغيليّة ارتفعت بشكل غير مسبوق، نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة والسلع، في بلدٍ يعاني أساسًا من انهيار البُنى التحتيّة وغياب الكهرباء والمياه والخدمات الأساسيّة، ما يجعل الاستمرار في العمل تحديًّا يوميًّا.
ولفت إلى أن القطاع كان يعوّل دائمًا على اللبنانيّين المنتشرين في الخارج وعلى السياح العرب والأجانب، إلّا أنّ الحرب أدّت إلى شبه توقّف كامل لحركة الوافدين، سواء من دول الخليج أو الدول العربيّة أو أفريقيا، بالتزامن مع تراجع حركة الطيران والتحويلات الماليّة التي يرسلها المغتربون إلى عائلاتهم في لبنان.
وأوضح أن الاقتصاد اللبنانيّ يعتمد بشكلٍ كبيرٍ على ثلاثة مصادر أساسيّة للعملة الصعبة: السياحة، والتحويلات الخارجيّة، والتصدير، مؤكدًا أنّ هذه القطاعات الثلاثة تعرّضت لضربات قاسية بفعل الحرب، ولا سيما في المناطق الصناعيّة والزراعيّة في البقاع والجنوب والضواحي.
كما أعرب نزهة عن قلقه من تفاقم ظاهرة الهجرة، خصوصًا في صفوف الشباب والكفاءات اللبنانيّة، معتبرًا أن لبنان يخسر أهم طاقاته البشريّة بسبب انعدام الاستقرار واستمرار الفساد والمحاصصة السياسيّة.
وأكّد أن البلد يمتلك مقوّماتٍ سياحيّةً وثقافيّةً وتراثيّةً كبيرةً، إلى جانب موارده البشريّة والمطبخ اللبنانيّ والطبيعة الخلابة، إلّا أنّ غياب الاستقرار يبدّد هذه الإمكانات ويمنع الاستفادة منها.
وأشار أيضًا إلى أنّ موسم الصيف والأعراس والمهرجانات والحفلات مهدّد بشكل كبير هذا العام، ما ينعكس سلبًا على آلاف العاملين في القطاع السياحيّ والترفيهيّ، محذرًا من “كارثة اجتماعيّة حقيقيّة” إذا استمرّ الوضع على ما هو عليه.
وختم نزهة بالتأكيد أنّ الأولويّة اليوم تبقى لوقف الحرب وتحقيق الاستقرار، معتبرًا أنّ أي حديث عن تعويض الموسم السياحيّ أو إعادة النهوض الاقتصاديّ يبقى مؤجّلًا إلى حين عودة الهدوء، مشدّدًا على ضرورة العمل مستقبلًا على بناء سياحة مستدامة، وإقامة دولة حديثة بعيدة عن الطائفيّة والمحاصصة، تحفظ كرامة اللبنانيين وتُعيد الثقة بلبنان كوجهة سياحيّة وثقافيّة واقتصاديّة رائدة في المنطقة.




