17 أيار: سقط الاتفاق وبقي المأزق!

إسرائيل لا تخفي أولويّاتها. بالنسبة إليها، لا انسحاب واسعًا، ولا ترتيبات مستقرّة، ولا تهدئة طويلة الأمد، من دون ضمانات أمنيّة تمنع تكرار نموذج “طوفان الأقصى” من جنوب لبنان. ولذلك، يتقدّم ملف سلاح “الحزب” على أي بند آخر في أي نقاش تفاوضي يتّصل بمستقبل الجنوب ولبنان.
كتب طوني كرم لـ”هنا لبنان”:
في السابع عشر من أيار، لا يستعيد اللبنانيون مجرّد ذكرى اتفاق سياسي سقط تحت وطأة الانقسامات الداخلية والوصايات الإقليمية، بل يعودون إلى محطةٍ مفصليّةٍ من تاريخ دولة حاولت، ولو متأخّرة، انتزاع قرارها السيادي من ساحات الحرب المفتوحة.
بعد ثلاثة وأربعين عامًا على اتفاق 17 أيار 1983، يبدو المشهد اللبناني كأنّه يدور في الحلقة نفسها: جنوب مشتعل، قرى مُدمّرة، مناطق لا تزال تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية، ومسار تفاوضي ترعاه واشنطن في ظلّ دولة تُكافح لاستعادة قرار الحرب والسّلم من قبضة السلاح الميليشيوي المُرتهن لإيران.
لكنّ الفارق بين الأمس واليوم أكثر خطورة. ففي عام 1983، كانت إسرائيل تواجه دولةً لبنانيةً ضعيفةً وممزّقةً، لكنّها بقيت، نظريًّا على الأقل، صاحبة القرار السيادي. أمّا اليوم، فلبنان يقف معلّقًا بين دولةٍ تحاول لملمة ما تبقّى من مؤسساتها، و”دويلةٍ عميقةٍ” فرضها “حزب الله” بقوة السلاح، بوصفه الذراع الأكثر التصاقًا بالمشروع الإيراني والحرس الثوري في المنطقة.
في 17 أيار 1983، وبعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 ووصول القوات الإسرائيلية إلى بيروت، وقّعت حكومة الرئيس شفيق الوزان، في عهد الرئيس أمين الجميل وبرعاية إدارة الرئيس الأميركي رونالد ريغان، اتفاقًا نصّ على إنهاء حالة الحرب، وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، وترتيبات أمنية على الحدود، ولجان ارتباط بين الجانبين. يومها، أقرّ مجلس النواب الاتفاق في حزيران 1983، قبل أن يُسقطه النظام السوري وحلفاؤه في الداخل، ليُلغى رسميًّا في الخامس من آذار 1984.
انقسم اللبنانيون آنذاك بين مَن رأى في الاتفاق فرصةً لإنهاء الوجود الإسرائيلي واستعادة القرار الوطني، ومَن اعتبره اتفاق إذعان فرضته موازين القوى العسكرية. لكن ما تكشفه الوقائع بعد أربعة عقود، أنّ لبنان لم يخرج فعليًّا من الحرب، بل انتقل من وصايةٍ إلى أخرى، ومن تواجد مباشر إلى واقعٍ أكثر تعقيدًا، تُمسك فيه جماعة مسلحة بقرار استراتيجي يُفترض أن يبقى حصرًا بيد الدولة.
اليوم، يعود السؤال الأكثر قسوة: ماذا جنى لبنان من تحويل الجنوب إلى منصّة مفتوحة لحروب المحاور؟
الجواب حاضر في المشهد اليومي: بلدات مُدمّرة، نزوح واسع، اقتصاد يترنّح، حدود متفجّرة، ودولة تتعايش قسرًا مع فائض القوّة الذي يفرضه “حزب الله”، فيما تُرْبَط مصالح اللبنانيّين بحسابات إقليمية تتجاوز لبنان وحدوده.
أمّا التحدّي الأخطر، فهو خطر انزلاق لبنان، وليس فقط الجنوب، تدريجيًّا نحو نموذجٍ يشبه فلسطين وليس فقط غزّة. فكما قادت مغامرة السابع من أكتوبر/تشرين الأول إلى حربٍ مدمّرةٍ غيّرت وجه القطاع، تبدو مغامرات “حزب الله” العسكرية وكأنّها تدفع الجنوب اللبناني نحو مصير مشابه، في وقتٍ لا تتردّد إسرائيل في استثمار أي تهديد أمني لتوسيع عملياتها وفرض وقائع جديدة على الأرض.
إسرائيل لا تخفي أولويّاتها. بالنسبة إليها، لا انسحاب واسعًا، ولا ترتيبات مستقرّة، ولا تهدئة طويلة الأمد، من دون ضمانات أمنيّة تمنع تكرار نموذج “طوفان الأقصى” من جنوب لبنان. ولذلك، يتقدّم ملف سلاح “حزب الله” على أي بند آخر في أي نقاش تفاوضي يتّصل بمستقبل الجنوب ولبنان.
هنا تحديدًا تكمن المعضلة اللبنانية. فبدلًا من أن تدخل الدولة أي تفاوض من موقع الساعي إلى استعادة أرضه وسيادته، تجد نفسها محاصرةً بمعادلةٍ داخليةٍ تجعل أي تقدّم رهينة حسابات الحزب ومصالح إيران الإقليمية. وكأنّ المطلوب من بيروت أن تفاوض دفاعًا عن وظيفة “حزب الله” العسكرية، لا عن مصالح اللبنانيين.
التجربة الفلسطينية تقدّم درسًا بالغ القسوة: حين يتقدّم السلاح على الدولة، تتراجع القضية نفسها. وحين تصبح القرارات المصيرية خارج المؤسسات، تتحوّل الأرض تدريجيًّا إلى ساحة مفتوحة للحروب.
قد يكون اتفاق 17 أيار قد سقط سياسيًّا عام 1984، لكنّ المأزق الذي كشفه لم يسقط. فلا دولة تستقيم، ولا استقرار يُبنى، فيما يبقى قرار الحرب والسلم موضع نزاع داخلي. والخشية اليوم، ألّا يكتفي السلاح بابتلاع الجنوب، بل أن يبتلع ما تبقّى من لبنان.
مواضيع مماثلة للكاتب:
هرمز يقلب المعادلة… ويُسقط الكرة في ملعب الحلفاء | المعادلة الساقطة: سوق المقايضات الكبرى… ولبنان | الرئيس وحده لا يكفي! |




