هل بدأ العدّ العكسي لنزع سلاح الحزب؟!

ما فات الحزب ولا يزال، هو أنّ الولايات المتحدة في 17 أيار 1983 كانت تلتزم بقرار الانسحاب من الشرق الأوسط، ما سمح لنظام حافظ الأسد بأن يكون وكيلًا لها في لبنان بضوء أخضر إسرائيلي، وما أعطى نظام الخميني مكاسب ثمينةً استمرّت عقودًا. أمّا اليوم، فإنّ الولايات المتحدة قرّرت أن تتولّى بنفسها الملف الإيراني وأذرعه في المنطقة.
كتب أحمد عياش لـ”هنا لبنان”:
تتجه الأنظار إلى يوم 29 أيار الجاري، حين ينطلق في البنتاغون الاجتماع الأول من نوعه للبحث في الترتيبات الأمنيّة التي ستواكب الجهود السياسية لإعادة السلام إلى الجنوب وتاليًا إلى كل لبنان. ويُمثّل هذا الاجتماع، الذي تترأسه الولايات المتحدة الأميركية ويضمّ لبنان وإسرائيل، ثمرة الجولة الثالثة من المفاوضات التي استضافتها واشنطن يومَيْ الخميس والجمعة من الأسبوع الماضي، إضافةً إلى ثمرة أخرى تتمثّل بجولة رابعة من المفاوضات السياسية بداية حزيران المقبل.
بات واضحًا أنّ لجنة “الميكانيزم” التي انبثقت عن اتفاق وقف إطلاق النّار في 27 تشرين الثاني 2024 أصبحت من الماضي. ويُمثّل الإعلان عن الاجتماع الأول في البنتاغون في نهاية أيار الجاري تأكيدًا على وفاة اللجنة السابقة، ومعها انتهاء مشاركة فرنسا التي كانت الطرف الرّابع في اللجنة المُتوفّاة. وهكذا، انطلق منذ الآن فصاعدًا مسار لجنة ميكانيزم ثلاثيّة الأطراف، ما يعني أنّ الملف اللبناني بات في عهدة أميركية كاملة، وذلك للمرّة الأولى منذ مفاوضات السلام عام 1983، والتي انتهت إلى الفشل بسقوط اتفاق 17 أيار من ذلك العام.
في هذا السياق، حلّت أمس الذكرى الثالثة والأربعون لهذا الاتفاق. وقد اختار “حزب الله” هذه المناسبة لكي يُصدر بيانًا حوّل 17 أيار 1983، واستخدم الذكرى واقعًا أسقط عليه الحزب كلّ وقائع الزمن الرّاهن من زاوية تأويلها بما يُلائِم سياسة هذا الحزب. وتُفيد أجواء البيان، ولو لم يرد ذلك في متنه، بأنّ “حزب الله” كان قلقًا جدًا ممّا انتهت إليه الجولة الثالثة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة الأميركية.
وجاء في البيان: “إن الذكرى الـ 43 لاتفاق الذلّ والعار في السابع عشر من أيار 1983، تأتي في ظلّ ظروف وأوضاع لبنانية – إقليمية بالغة الخطورة… في ظلّ محاولات إعادة إنتاج ما يتجاوز اتفاق 17 أيار خطرًا وانحرافًا من خلال الحديث عن اتفاق سلام “كامل وشامل” بين السلطة اللبنانية وإسرائيل”.
وأكد “حزب الله” أنّ “إسرائيل لن تستقرّ أبدًا فوق أرضنا بوجود هذه المقاومة الباسلة ومُجاهديها الأبطال وشعبها المضحّي المقدام… وإنّ فجر التحرير والحرية والاستقلال الكامل سيبزغ، طال الزمان أم قصر، وسيعود لبنان سيّدًا حرًّا مستقلًّا”.
لكن “حزب الله” تجاهل في البيان، كما هي عادته منذ 8 تشرين الأول 2023 عندما فتح الأمين العام السابق حسن نصر الله “حرب إسناد غزّة”، ثم قام الأمين العام الحالي نعيم قاسم في 2 آذار الماضي بفتح “حرب الثأر لمقتل المرشد علي خامنئي”، أنّ مَن جرّ لبنان إلى هذه الكارثة المُدمّرة هو الحزب نفسه. لا بل إنّ “حزب الله”، ومنذ العام 2000، ضيّع كل ما استعاده لبنان بفعل انسحاب إسرائيل من جانب واحد من كل الأراضي اللبنانية تطبيقًا لقرار مجلس الأمن الرقم 425. فعن أيّ “تحرير” يتحدّث “حزب الله” اليوم وهو الذي تسبّب بعودة إسرائيل إلى الجنوب؟
انتهت في 17 أيار 2026، أي أمس الأحد، هدنة وقف إطلاق النار لمدة 3 أسابيع التي رعاها الرئيس الأميركي دونالد ترامب الشهر الماضي في البيت الأبيض، حيث استضاف الجولة الثانية من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل. وتنطلق اليوم فترة هدنة جديدة لمدّة 45 يومًا. وتُشير المعطيات إلى أنّ هذه الفترة ستكون حافلةً أمنيًّا وسياسيًّا، ما يضع لبنان على سكّة استعادة الدولة لزمام المبادرة الذي أفلت من يدها بسبب الحرب الجديدة التي زجّ فيها الحزب لبنان في 2 آذار الماضي.
وجاء في معلومات صحافية أمس أنّ اجتماع البنتاغون في 29 الحالي سيُناقش حصر السلاح وكيفيّة تقوية الألوية القتالية في الجيش اللبناني، وانسحاب الجيش الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني. كما سيتمّ التطرّق إلى كيفيّة تفعيل آليّة مراقبة اتفاق وقف النار، وتحديدًا البحث في كيفية إتمام عمليّة التحقّق المستقل. وأوضحت المعلومات أنّ قيادة الجيش تتحضّر لهذا الاجتماع لجهة موضوع حصر السلاح ومعالجة سلاح “حزب الله”.
على الجانب الإسرائيلي، توقّفت صحيفة “هآرتس” عند نبأ التوصّل في واشنطن إلى اتفاقٍ بشأن آليّة جديدة للتنسيق الأمني بعد “يومَيْن من المحادثات المُثمرة للغاية” في واشنطن، وفق بيان الخارجية الأميركية. بينما قالت السفارة اللبنانية في العاصمة الأميركية إنّ الأطراف اتفقت على إنشاء آليّة تنسيق أمني تحت إشراف الولايات المتحدة بين الجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي.
وتضمّن البيان أيضًا أول اعتراف علني لبيروت بأنّ هناك مسارًا سياسيًّا رسميًّا جاريًا بين إسرائيل ولبنان، “ما يعزّز فرص التوصّل إلى تسوية سلمية دائمة”. ولم يردّ مكتب رئيس الوزراء نتنياهو ووزارة الخارجية الأميركية على طلب هآرتس التعليق على هذا المسار الأمني الجديد، الذي قد يحدّ جزئيًّا على الأقل من حرّية إسرائيل العسكرية في العمل.
في غضون ذلك، كتب عضو المجلس السياسي في “حزب الله” بلال اللقيس على منصّة “إكس”: “الحديث عن هدنة على جبهة لبنان ليس أكثر من مناورة إسرائيلية أميركية بهدف فصل جبهات المقاومة وتفريقها. ربّما يخطّطون لشيء ضد إيران. المطلوب الآن تمتين ساحات جبهة المقاومة ووحدتها، بل وزيادتها”.
كلام اللقيس استدعى ردودًا عدّة، غالبيّتها من جمهور حركة “أمل”، وتضمّنت هجومًا عليه بلغ حدّ الشتائم، خصوصًا لجهة إصراره على وحدة الجبهات بينما تخلّت إيران عن لبنان الذي تستمرّ الغارات الإسرائيليّة عليه، كما التوسّع الإسرائيلي الميداني.
في الإطار نفسه، نشرت وكالة “تسنيم” الإيرانية أمس مقالًا حمل عنوان “من البيجر إلى المُسيّرة: معادلة العقل الفولاذي”. وجاء في المقال أنّه عندما ظنّت إسرائيل أنّ تفجيرات أجهزة “البيجر” عام 2024 ستشلّ قدرة “حزب الله” على القيادة والاتصال، فاجأته المقاومة بأنّها لم تكن مجرّد جيش ينهار باغتيال قادته، بل منظومة شبكية لامركزية تُعيد إنتاج نفسها من تحت الأنقاض، وتحوّل الجرح إلى قوة، والاختراق الأمني إلى أعظم تفوق قتالي.
في المقابل، نشرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية تحليلًا أفاد بأنّ الجيش الإسرائيلي “يُواجه ضغوطًا متزايدةً على الجبهة اللبنانية، حيث تستهدف طائرات حزب الله المتقدّمة (FPV) بشكلٍ متزايدٍ قوات الجيش الإسرائيلي”.
وخلص التحليل إلى القول: “الجميع يُدرك أن إيران هي التهديد الأكبر، وقد تتكشّف تطوّرات دراماتيكيّة تشمل طهران في الأيام المقبلة. لكن هذا بالضبط هو السبب في أنّه لا يمكن السماح للجبهة اللبنانية بالانجراف إلى صراع لا نهاية له من دون حلٍّ واضح”.
في أي حال، تظهر قمّة المفارقات في أنّ لبنان حظي بمسار هدنة طويلة نسبيًا سيتخلّله تحرّك أمني وسياسي برعاية أميركية مباشرة. وفي المقابل، وكما جاء في رئيسيّة صحيفة “الشرق الأوسط” أمس: “حافّة الحرب أقرب من الهدنة”، وأنّ إيران والولايات المتحدة “باتتا قريبتَيْن من حافّة استئناف الحرب، بعيدتَيْن عن مواصلة الهدنة الهشّة القائمة منذ 7 نيسان الماضي”.
وفي الخلاصة، يوحي “حزب الله” في حملته على المفاوضات بين لبنان وإسرائيل بأنّ 17 أيار 1983 سيتكرّر في 17 أيار 2026. لكن ما فات الحزب ولا يزال، هو أنّ الولايات المتحدة في التاريخ الأول كانت تلتزم بقرار الانسحاب من الشرق الأوسط، ما سمح لنظام حافظ الأسد بأن يكون وكيلًا لها في لبنان بضوء أخضر إسرائيلي، وما أعطى نظام الخميني مكاسب ثمينةً استمرّت عقودًا.
أمّا اليوم، فإنّ الولايات المتحدة قرّرت أن تتولّى بنفسها الملف الإيراني وأذرعه في المنطقة.
إنّه فارق كبير، سيؤدّي حتمًا في لبنان إلى تجريد “حزب الله” من امتيازات ثمانينيّات القرن الماضي. فهل سنشهد من الآن فصاعدًا مسار تجريد الحزب من السلاح وبصورة نهائية؟
مواضيع مماثلة للكاتب:
مليارات إيران تحترق في النبطية | استهداف الضاحية باعتبارها إيرانية | رئيس الجمهورية لإيران: فاجأناكم مو! |




