حزن في الضاحية وفرح في طهران


خاص 25 أيار, 2026

للمرة الأولى يحيي “الحزب” مناسبة “عيد المقاومة والتحرير” بعيداً جداً عن الجنوب عموماً، وعن بنت جبيل التي باتت اليوم ركاماً ومحيت عن بكرة أبيها بعد الحرب التي فتحها الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم في 2 آذار الماضي ثأراً لمقتل المرشد علي خامنئي

كتب أحمد عياش لـ”هنا لبنان”:

يستعيد اللبنانيون شريط الأحداث التي مرّت بهم في مثل هذه الأيام قبل 26 عاماً. ولا يزالون يتذكرون كيف كان وقع حدث الانسحاب الإسرائيلي الشامل من لبنان في مثل هذه الأيام من ذلك التاريخ، وكيف قطف “حزب الله” ثمار ذلك الحدث المدوّي ما جعل الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله يقف في الاحتفال الشهير في مدينة بنت جبيل الحدودية في 25 أيار 2000 ليعلن أنّ إسرائيل “أوهن من بيت العنكبوت”. وقد أعلن بعد ذلك رئيس مجلس الوزراء سليم الحص في ذلك الوقت يوم 25 أيار من كل عام “عيد المقاومة والتحرير”.
تحل اليوم ذكرى هذ العيد بعطلة رسمية كما جرت العادة. لكن ما لم تجر العادة بشأن هذه المناسبة هو انه للمرة الأولى يحيي “حزب الله” هذه المناسبة بعيداً جداً عن الجنوب عموماً، وعن بنت جبيل التي باتت اليوم ركاماً ومحيت عن بكرة أبيها بعد الحرب التي فتحها الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم في 2 آذار الماضي ثأراً لمقتل المرشد علي خامنئي. وكان أقرب مكان استطاع الحزب الاستفادة منه أمس لإحياء العيد هو بلدة القماطية القريبة من عاليه في جبل لبنان. حتى أنّ الضاحية الجنوبية التي كانت طوال عقود عرين “حزب الله” تكاد تصبح أطلالاً بفعل الحرب التي ما زالت مستمرة منذ نحو ثلاثة أشهر بلا توقف.
تزامن عيد التحرير الذي بات يتطلب تغيير اسمه ليصبح “عيد التدمير”، كما يتطلب تبديل اسم “حزب الله” ليصبح “حزب إعادة الاحتلال”، مع تطوّر في الحرب التي شنتها الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل في 28 شباط الماضي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وقضى هذا التطور، كما ذكر الموقع الإخباري الأميركي (اكسيوس) بإعلان اتفاق يتضمن تمديداً لوقف إطلاق النار لمدة 60 يوماً، يعاد خلاله فتح مضيق هرمز، وستتمكن إيران من بيع النفط بحرية، وتجرى مفاوضات للحد من البرنامج النووي الإيراني، وفقاً لمسؤول أميركي. وقد ساد اعتقاد بأنّ هذا الاتفاق سينعكس إيجاباً على “حزب الله” الذي ربط لبنان بإيران في حرب الإسناد في 2 آذار الماضي. لكن رياح هذا الاتفاق، حتى قبل الإعلان عنه، لم تجرِ كما تشتهي سفن الحزب ومشغله الإيراني. فقد قال مسؤول إسرائيلي أمس إنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو شدد للرئيس الأميركي دونالد ترامب على “حرية العمل ضد التهديدات، بما فيها لبنان. وأيدّ ترامب طلب نتنياهو بحرية العمل ضد التهديدات في كل الساحات”، وفقاً للمسؤول الإسرائيلي.
كان لافتاً أنّ طهران التي كانت تستعد في الـ48 ساعة الماضية لكي تتنفس الصعداء بفضل هذا الاتفاق، أدركت أنّ ذراعها في لبنان سينقطع نفسها مجدداً في مرحلة الاتفاق بين الجمهورية الإسلامية وبين الولايات المتحدة. واختارت القيادة الإيرانية أمس بلسان المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي ذرف الدموع ضد “الهجمات الوحشية المستمرة من قبل النظام الصهيوني ضد لبنان خلال الأيام القليلة الماضية”. ووصف بقائي “اللامبالاة وعدم التحرك لمجلس الأمن بأنها مخزية”. وشدد على “ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة من قبل العالم الإسلامي”.
وماذا عن المطلوب من إيران التي زجّ “حزب الله” بلبنان بسببها في حرب مدمرة لا مثيل لها في تاريخه الحديث والقديم على السواء؟
يجيب بقائي بـ”الإشادة بصبر وصمود الشعب، وتقديم التعازي لعائلات الشهداء وكذلك لشعب وحكومة لبنان، وتضامن إيران الكامل مع لبنان في طريقه للدفاع عن سيادة لبنان واستقلاله”!
لا داعي للتعليق على كلام بقائي فيما يتواصل انتقال لبنان من دار البقاء إلى دار الفناء بفعل سلوك “حزب الله” العضو الأصيل في “فيلق القدس” التابع للحرس الثوري الإيراني.
وسيصبح انتقادنا للمسؤول الإيراني غير ذي جدوى عندما نقرأ تصريح نائب الحزب حسن فضل الله أمس والذي ما زال يربط لبنان بسراب مفاده أنّ “الجمهورية الإسلامية الإيرانية تقف معنا وإلى جانبنا وتدعمنا، وتعلّق الاتفاق مع الولايات المتحدة الأميركية على إيقاف الحرب على لبنان”. أما زميل فياض في الحزب النائب علي فياض فقد تولى مواصلة الحملة على السلطة اللبنانية التي كما زعم “انزلقت إلى هاوية التفاوض المباشر” مع إسرائيل.
عشية إعلان الاتفاق بين طهران وواشنطن، نقلت صحيفة “نيويورك تايمز” من العاصمة الإيرانية صورة حيّة، جاء فيها: “شعر العديد من الإيرانيين العاديين، بمن فيهم منتقدو الحكومة، بالارتياح لسماع أنّ الحرب الإضافية مع الولايات المتحدة وإسرائيل قد تم تفاديها، وأنّ الطرفين قد يقتربان من التوصل إلى نوع من اتفاق السلام. لعدة أيام، كانوا يتابعون بقلق أخبار المفاوضات الدبلوماسية، وكان الكثيرون يتوقعون استئناف الضربات الجوية الأميركية والإسرائيلية في وقت مبكر من هذا الأسبوع. هدد ترامب مراراً بتدمير محطات الطاقة والبنية التحتية، ما تسبب بذعر المواطنين الذين كانوا يعانون بالفعل من التأثير الاقتصادي للقصف والحصار. وقالت نازنين، مهندسة تبلغ من العمر 56 عاما في طهران، في مقابلة هاتفية: “كنا نحاول معرفة ما إذا كان يجب علينا مغادرة طهران إذا سقطت القنابل مرة أخرى، واشتريت الماء والبطاريات”، وطلبت أن يذكر اسمها الأول فقط ، وقالت”تنفست الصعداء بعمق”.
في موازاة ذلك، احتفل المحللون الإيرانيون ومؤيدو الحكومة باتفاق السلام المحتمل مع الولايات المتحدة كنصر دبلوماسي في منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي”.
ماذا عن “حزب الله” وبيئته من الفرح السائد في طهران؟ تبدو الصورة هنا مناقضة تماماً للصورة الإيرانية. وقد تسنى للذين تابعوا المقابلة التي أجرتها قناة “المنار” التلفزيونية مساء السبت الماضي مع نائب الحزب حسين الحاج حسن رؤية الأخير وقد كاد ينفجر غضباً وهو يتحدث عن استمرار الحرب الإسرائيلية ضد “حزب الله” والسلوك الرسمي في مواجهة هذه الحرب. كما تظهر متابعة وسائل إعلام “حزب الله” أنّ الأخير يكاد أن يكون بعيداً تماماً عن الفرح الإيراني بولادة الاتفاق الجديد مع الولايات المتحدة. لا بل الحزب متماهٍ تماماً مع حزنٍ آتٍ من جحيم حرب مضى إليها بأوامر إيرانية جرّت عليه وعلى بيئته وتالياً على لبنان الويلات ولا تزال.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us