رسائل حارقة في مياه هرمز: مفاوضات تحت النّار والمنطقة فوق صفيح ساخن

هل تمتد النيران قريبًا إلى عمق الضاحية الجنوبية لبيروت؟ وإذا حدث ذلك، فهل نكون أمام رصاصة الرّحمة على التفاهمات الضمنيّة التي ضبطت إيقاع المواجهة لسنوات؟ إنّ الساعات المقبلة تضع الشرق الأوسط على حدّ سيفٍ رفيع: إمّا ولادة متعسّرة لتسوية كبرى، أو انزلاق تدريجي نحو مواجهة شاملة تُعيد ترتيب موازين القوى بالكامل.
كتب جوني فتوحي لـ”هنا لبنان”:
لم يكن التوتّر البحري المكتوم الذي شهدته بوّابات مضيق هرمز ليل أمس مجرّد حادث عابر في مياه الخليج، بل هو انعكاس دقيق لـ”حرب ظلال” بلغت ذروتها بين طهران وواشنطن. وفي غياب أي تبنٍّ رسميٍّ للضربة الغامضة من قِبل المُهاجم أو المُستهدَف، بات من الواضح أنّ الممرّات المائية الحسّاسة تحوّلت إلى امتدادٍ ساخنٍ لطاولات التفاوض المُغلقة، حيث تُترجم الخلافات السياسية إلى رسائل مُشفّرة بالنّار.
هذا التصعيد البحري الخفيّ يُمزّق الستار عن هشاشة التسويات الإقليمية التي جرى الترويج لها مؤخرًا. فالتقارير المُسرّبة حول قرب التوصّل إلى تفاهماتٍ نهائيةٍ بين الولايات المتحدة وإيران لم تكن سوى قراءات مُتفائلة تفتقر إلى الدقّة، إذ يتبيّن اليوم أنّ الطرفَيْن ما زالا يتمسّكان بأوراق ضغط استراتيجية ثقيلة على طاولة الحوار، ممّا يُعزّز أزمة الثقة المتبادلة ويحكم على مسار الدبلوماسية بالجمود المؤقت.
في العمق، تعيش الإدارة الأميركية تجاذبًا داخليًا حادًّا يؤثر مباشرة في إيقاع التفاوض؛ فالجناح الجمهوري يُصرّ على فرض شروط بالغة الصرامة، بينما يُزايد الديمقراطيون بطلب معايير تفوق في تشدّدها اتفاق عام 2015. هذا التناقض الدّاخلي يُعيد ترتيب الأولويّات الأميركية حول ملفَّيْن شائكَيْن: تحديد سقف قاطع لتخصيب اليورانيوم الإيراني، ومدى إمكانية فصل الملفات الإقليمية المشتعلة عن المسار النووي.
في المقابل، ترفض إيران مبدأ تجزئة الحلول الذي تسعى إليه واشنطن، وتعمل جاهدةً على ربط السّاحات ببعضها؛ من الخليج إلى سوريا ولبنان، بغية تعزيز موقفها التفاوضي ككتلةٍ واحدةٍ لا تقبل التفكيك. وتتحرّك طهران ببراعةٍ لكسب الوقت عبر سياسة “الخطوة تلو الأخرى”، بما يمنحها قدرةً مستمرّةً على المناورة السياسية والتصعيد الميداني المبرمج عند الحاجة. وعلى خطٍّ موازٍ، تضغط إسرائيل باتجاه مقاربةٍ مغايرةٍ، تضمن لها إبقاء جبهة لبنان خارج أي قيود دولية، للحفاظ على حرّية حركتها العسكرية هناك.
هذا التعقيد المُركّب يضع المنطقة أمام أسبوع حاسم؛ فإمّا التمديد بمهلةٍ جديدةٍ لإيجاد مخارج للنقاط الخلافيّة، أو الذهاب نحو خيارات بديلة قد تشمل ضربات عسكرية محدودة ضدّ أهداف إيرانية كخيار ضغط أميركي أخير قبل الانفجار الكبير.
وعلى وقع هذا الحراك، تشتعل الجبهة اللبنانية عبر غاراتٍ إسرائيليةٍ متواصلةٍ وردودٍ مُكثّفةٍ بمُسيّرات حزب الله، وسط تساؤلات قلقة في الصّالونات السياسية: هل تمتد النيران قريبًا إلى عمق الضاحية الجنوبية لبيروت؟ وإذا حدث ذلك، فهل نكون أمام رصاصة الرحمة على التفاهمات الضمنيّة التي ضبطت إيقاع المواجهة لسنوات؟ إنّ الساعات المقبلة تضع الشرق الأوسط على حدِّ سيفٍ رفيع: إمّا ولادة متعسّرة لتسوية كبرى، أو انزلاق تدريجي نحو مواجهة شاملة تُعيد ترتيب موازين القوى بالكامل.
مواضيع مماثلة للكاتب:
لماذا ترتعد طهران من فكرة “ما بعد الحرب”؟! | لبنان في بازار واشنطن وطهران: صراع السيادة على طاولة المحاور | لماذا لن يجد الحزب طريقاً إلى “7 أيار” جديد؟ |




