بين المبادرة الأميركية والتصعيد الميداني… لبنان على مفترق الحرب والتفاوض

نجاح أي مسار سياسي أو تفاوضي يتطلّب وجود سلطة مركزية تمتلك وحدها القرار السيادي، وتكون قادرةً على ضبط الوضع الداخلي ومنع أي جهة من جرّ البلاد إلى مواجهات عسكرية جديدة، لأن استمرار تعدّد مراكز القرار سيُبقي لبنان عرضةً للأزمات والتوتّرات ويُعرقل أي فرصة حقيقية للاستقرار والنهوض.
كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:
في لحظةٍ إقليميّةٍ شديدة الحساسية، وبين تصاعد التوتّرات العسكرية على الجبهة الجنوبية وارتفاع منسوب القلق من انزلاق لبنان نحو مواجهةٍ أوسع، برزت الجهود الأميركية مجددًا كعاملٍ أساسي في احتواء التصعيد وفتح نافذة أمام الحلول الدبلوماسية. فقد كشفت السلطات اللبنانية عن تفاصيل المقترح الأميركي الهادف إلى وقفٍ متبادل للهجمات بين إسرائيل و”حزب الله”، في خطوةٍ تعكس حجم الدور الذي تؤدّيه واشنطن في إدارة الأزمة ومنع توسّع رقعة المواجهة.
ويأتي هذا الحراك السياسي بالتزامن مع تمسّك رئيس الجمهورية جوزاف عون بخيار التفاوض باعتباره الطريق الأكثر أمانًا لحماية لبنان وتحصين استقراره، مؤكدًا أنّ الحوار لا يمثل تنازلًا عن الحقوق الوطنية، بل يُشكّل أداةً سياديّةً مشروعةً لتجنيب البلاد كلفة الحرب وتداعياتها. ومع الحديث عن موافقاتٍ مبدئيةٍ على المقترح الأميركي واستمرار الاتصالات الدولية تمهيدًا لجولة مفاوضات مرتقبة في واشنطن، تتّجه الأنظار إلى فرص نجاح المسار الدبلوماسي في تثبيت التهدئة وتحويلها إلى وقفٍ شاملٍ لإطلاق النار، بما يجنّب لبنان والمنطقة مزيدًا من التصعيد ويؤسّس لمرحلةٍ أكثر استقرارًا.
وفي هذا الإطار، يقول الصحافي كلوفيس شويفاتي إنّ مسار التفاوض الذي يدعمه رئيس الجمهورية يواجه تحدّياتٍ جوهريةً تجعل فرص نجاحه محدودةً في ظلّ استمرار التوتّرات العسكرية. فبحسب رأيه، لا يمكن لأي عملية تفاوضيّة أن تحقّق تقدّمًا فعليًا ما دام هناك طرف قادرٌ على تغيير المعادلات الميدانية في أي لحظة. ويشير إلى أنّ أي تصعيد عسكري، ولو كان محدودًا، كفيل بإرباك المفاوضات ونسف الجهود السياسية والدبلوماسية المبذولة، مهما حظيت بدعم دولي.
ويعتبر أن المدخل الحقيقي لأي تسوية مُستدامة يبدأ بحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية وحدها، بما يمنع أي جهة من تعطيل المسار التفاوضي أو فرض وقائع ميدانية تتناقض مع توجّهات الدولة. ويرى أنّ المشهد الحالي يعكس ازدواجيةً واضحةً، حيث تنخرط الدولة في مسار تفاوضي فيما يعتمد “حزب الله” نهجًا مختلفًا يقوم على الضغط العسكري، الأمر الذي يخلق تناقضًا يُضعف الموقف اللبناني ويحدّ من فرص التوصّل إلى نتائج ملموسة.
وعن خيارات “حزب الله”، يرى شويفاتي أنّ الحزب أصبح أسير السرديّة التي بنى عليها شرعيّته السياسية والعسكرية منذ سنوات، والقائمة على اعتبار أنّ العمل العسكري هو الذي حقّق الإنجازات الكبرى. لذلك، فإنّ أي نجاح للمسار الدبلوماسي قد يُنظر إليه داخل الحزب كإقرار بفشل الخيار العسكري، ما يفسّر تمسّكه بموقفه الرافض للتسويات التي قد تُفضي إلى إعادة طرح ملف سلاحه ودوره العسكري.
وفيما يتعلق بالموقف الأميركي، اعتبر شويفاتي أن موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب يُكرّس حقيقة أن الولايات المتحدة هي الجهة الوحيدة القادرة على التأثير المباشر في إسرائيل ورئيس حكومتها بنيامين نتنياهو، ما يؤكّد أنّ واشنطن تبقى الراعي الأساسي وصاحبة النفوذ الأكبر في رسم مسار الأحداث في لبنان والمنطقة.
وأضاف أن الرسالة الموجهة إلى إيران وحزب الله واضحة، ومفادها أن الطرف الوحيد القادر على التأثير في قرارات إسرائيل هو الولايات المتحدة، وبالتالي فإن قرار الحرب والسلم، ووقف إطلاق النار أو استئنافه، يبقى في نهاية المطاف بيد الإدارة الأميركية والرئيس ترامب.
ورأى أن هذه الخطوة تشكّل تمهيدًا للمحادثات المرتقبة في واشنطن بين الوفدَيْن اللبناني والإسرائيلي، وتحمل في طيّاتها إشارة واضحة إلى أن الولايات المتحدة تمتلك أيضًا القدرة على التأثير في مسار المفاوضات وتوجيهها نحو الوجهة التي تراها مناسبة.
وعن وقف إطلاق النار، أشار شويفاتي إلى أن المُعطيات المتوافرة توحي بأنّ التفاهم قد يقتصر على وقف العمليات العسكرية ضدّ بيروت، مقابل توقّف حزب الله عن استهداف شمال إسرائيل. أمّا العمليات التي ينفّذها الجيش الإسرائيلي ضمن منطقة عمليّاته في جنوب لبنان، فمن المتوقع أن تستمر، إلى جانب استكمال الخطط العسكرية التي سبق أن وضعها لتلك المنطقة.
ومن هذا المنطلق، يرى شويفاتي أن قرار الذهاب إلى التفاوض يُشكّل خطوة سياسية جريئة وضرورية، لأنَّه يهدف إلى تثبيت الاستقرار وفتح الباب أمام معالجة الأزمات الداخلية التي يعاني منها لبنان.
ويختم بالتشديد على أنّ نجاح أي مسار سياسي أو تفاوضي يتطلّب وجود سلطة مركزية تمتلك وحدها القرار السيادي، وتكون قادرةً على ضبط الوضع الداخلي ومنع أي جهة من جرّ البلاد إلى مواجهات عسكرية جديدة، لأن استمرار تعدّد مراكز القرار سيُبقي لبنان عرضةً للأزمات والتوتّرات ويعرقل أي فرصة حقيقية للاستقرار والنهوض.
وفي مقاربةٍ تتقاطع مع دعوات الدولة إلى تغليب الحلول السياسية، لكن من زاوية مختلفة، يقدّم الصحافي والكاتب السياسي آلان سركيس قراءةً ترتكز إلى موازين القوى الميدانية والإقليمية وتأثيرها في فرص التفاوض. يرى سركيس أنه على الرغم من التصعيد الميداني المستمرّ، يؤكد رئيس الجمهورية في كل مناسبة تمسّكه بخيار المفاوضات، وهو الموقف الذي تتبنّاه الدولة اللبنانية باعتباره المسار الوحيد المُتاح في المرحلة الرّاهنة. فالمفاوضات مع إسرائيل ليست سهلةً، خصوصًا أن لبنان يواجه قوة عسكرية تُعدّ الأقوى في الشرق الأوسط، فيما تستمرّ إسرائيل في احتلال أجزاء واسعة من الجنوب اللبناني، الأمر الذي يجعل موقع المفاوض اللبناني بالغ الصعوبة.
وتُشير الوقائع الميدانية، وفق هذا الطرح، إلى سقوط العديد من الشعارات التي رفعها “حزب الله” خلال الحرب، ولا سيما تلك المرتبطة بتغيير المعادلات عبر الميدان. فالتطوّرات العسكرية الأخيرة، وما رافقها من خسائر وتراجع في بعض المناطق الجنوبية، عزّزت القناعة بأنّ الحلّ لا يمكن أن يكون إلّا عبر المسار الدبلوماسي. ومن هنا، فإنّ المفاوضات ستستمرّ مهما ارتفع منسوب التصعيد، بل إن اشتداد المواجهة على الأرض يزيد الحاجة إليها بدلًا من أن يُلغيها.
ويتابع سركيس أنّ قرار “حزب الله” يرتبط بشكلٍ مباشرٍ بإيران، ما يجعل أي تصعيد أو تهدئة رهنًا بمسار الملفات الإقليمية، وفي مقدمتها المفاوضات الأميركية – الإيرانية. وبحسب هذا الرأي، فإنّ الحزب لم يعد قادرًا على الاستمرار في المعركة بالوتيرة نفسها، وهو ما دفع رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى تكثيف جهوده للمُطالبة بوقف إطلاق النّار والتأكيد على التزام الحزب بأي اتفاق يتمّ التوصل إليه.
وترى هذه المقاربة أنّ البيئة الحاضنة للحزب، مهما ارتفع صوتها، لن تكون صاحبة القرار النهائي إذا تعارض موقفها مع التوجّهات الإيرانية، إذ يبقى القرار الاستراتيجي للحزب مرتبطًا بطهران. لذلك، فإنّ أيّ تحول في موقف “حزب الله” أو في خياراته السياسية والعسكرية سيبقى مرتبطًا بما ستؤول إليه المفاوضات والاتصالات الدولية والإقليمية الجارية.
أمّا على المستوى الداخلي، فيقول سركيس إنّ أولى نتائج التصعيد الحالي لا تقتصر على الخسائر العسكرية أو الميدانية، بل تمتدّ إلى الاقتصاد اللبناني، وخصوصًا القطاع السياحي الذي كان يُعوَّل عليه لبنان لإنعاش اقتصاده خلال الموسم الصيفي. فاستمرار الحرب يُهدّد بتبديد الآمال بتحقيق موسم سياحي واعد، ويزيد من الضغوط الاقتصادية والمعيشية على اللبنانيين.
ويُتابع أنّه في حال استمر “حزب الله” في رفض تسليم ملف الحرب والسلم للدولة اللبنانية وعدم الانخراط في الخيار الذي تتبنّاه المؤسّسات الرسمية، فإنّ السيناريو الأكثر ترجيحًا يبقى استمرار الحرب واتساع نطاقها. ومع ذلك، ستواصل الدولة اللبنانية جهودها الدبلوماسية سعيًا إلى حماية لبنان ومنع انزلاقه نحو مواجهةٍ أشمل، في وقتٍ يرى فيه الكثيرون أنّ الحزب يخوض معركة مرتبطة بحسابات إقليمية تتجاوز الحدود اللبنانية.
وفي ظلّ هذه المعطيات، تبدو الأشهر المقبلة مفتوحةً على المزيد من التصعيد والتدهور الاقتصادي والأمني، خصوصًا إذا بقي القرار اللبناني موزّعًا بين منطق الدولة ومنطق المحاور الإقليمية، ما يهدّد بأن تتجاوز تداعيات الحرب حدود الجنوب لتطال مختلف المناطق اللبنانية.
وبين خيار التفاوض الذي تدفع الدولة اللبنانية باتجاهه، واستمرار التصعيد العسكري وما يرافقه من حسابات إقليمية مُعقّدة، يبقى لبنان أمام مرحلة دقيقة تتوقّف ملامحها على قدرة المسار السياسي على احتواء التوتّر ومنع انزلاق البلاد إلى مواجهة أوسع ستكون كلفتُها باهظةً على المستويات الأمنيّة والاقتصادية والسياسية.




