مفاوضات بلا حسم: لبنان وإسرائيل بين هدنة هشّة وتسوية إقليمية مؤجلة

بين الضغوط الدولية الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار واستكمال الانسحاب الإسرائيلي، وبين الحسابات الأمنية والعسكرية المرتبطة بمستقبل سلاح “الحزب” ودور إيران في المنطقة، تبدو المفاوضات الحالية محكومة بتوازنات دقيقة تتجاوز في أبعادها الساحة اللبنانية لتلامس جوهر الصراع الإقليمي بين واشنطن وطهران
كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:
في وقت تتواصل فيه المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية برعاية أميركية وسط أجواء إقليمية شديدة التعقيد، تتزايد التساؤلات حول فرص نجاح هذه المحادثات في تحقيق اختراق فعلي يضع حداً للتوتر العسكري المستمر على الحدود الجنوبية للبنان. فبين الضغوط الدولية الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار واستكمال الانسحاب الإسرائيلي، وبين الحسابات الأمنية والعسكرية المرتبطة بمستقبل سلاح “حزب الله” ودور إيران في المنطقة، تبدو المفاوضات الحالية محكومة بتوازنات دقيقة تتجاوز في أبعادها الساحة اللبنانية لتلامس جوهر الصراع الإقليمي بين واشنطن وطهران.
وتكتسب هذه الجولة من المفاوضات أهمية خاصة كونها تأتي في مرحلة تشهد تحولات سياسية وأمنية متسارعة، سواء على مستوى الداخل الإسرائيلي الذي يعيش أزمات سياسية متفاقمة، أو على مستوى المفاوضات الأميركية – الإيرانية التي لا تزال ترسم ملامح المشهد الإقليمي ومستقبل العديد من الملفات الساخنة في الشرق الأوسط. وفي ظل استمرار العمليات العسكرية المحدودة وتبادل الرسائل الميدانية، يبرز سؤال أساسي حول إمكانية التوصل إلى تسوية متوازنة تحقّق للبنان إنهاء الحرب واستعادة الاستقرار، وتؤمن لإسرائيل الضمانات الأمنية التي تطالب بها، من دون أن تتحوّل الساحة اللبنانية إلى ورقة مساومة دائمة ضمن الصراع الأوسع بين القوى الإقليمية والدولية.
وفي هذا السياق، يقدّم كل من الكاتب والمحلل السياسي إلياس الزغبي والكاتب السياسي يوسف قاسم قراءتين متقاطعتين لمآلات المفاوضات الجارية، حيث يسلّط الأول الضوء على فرص استمرار المسار التفاوضي رغم التعقيدات القائمة، فيما يربط الثاني أي تقدم حقيقي بإمكانية التوصل إلى تفاهمات أوسع بين الولايات المتحدة وإيران، معتبراً أنّ مستقبل المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية يبقى مرتبطاً بمسار الصراع الإقليمي وتوازناته أكثر من ارتباطه بالتفاصيل التقنية المطروحة على طاولة التفاوض.
إذ يرى الكاتب والمحلل السياسي إلياس الزغبي أنّ المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية برعاية أميركية، في مرحلتيها الرابعة والخامسة، تواجه تحدياً أساسياً يتمثل في مسألة التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار. إلا أنّ الأطراف المعنية تبدو حريصة على تجاوز هذه العقدة من خلال صيغة مؤقتة وغير نهائية تقوم على حصر المواجهات العسكرية ضمن نطاق الجنوب والبقاع الغربي، مع إبقاء الضاحية الجنوبية لبيروت وشمال إسرائيل خارج دائرة الاستهداف المباشر.
ويعتبر الزغبي أنّ هذا المسار يعكس احتمال تكرار النموذج الذي طبع مراحل وقف إطلاق النار منذ صدور التفاهم الأساسي في 27 تشرين الثاني 2024 وحتى اليوم، إذ لا تبدو المؤشرات كافية للدلالة على توقف “حزب الله”، بدعم وتوجيه إيراني، عن إعادة تنظيم قدراته العسكرية وترميم خسائره، كما أنّ إسرائيل، من جهتها، لا تبدو مستعدة للسماح له باستعادة كامل جهوزيته القتالية، وستواصل عملياتها تحت عنوان منع تجدد الخطر على حدودها الشمالية.
ويشير إلى أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب مارس ضغوطاً على إسرائيل بهدف سحب ورقة التصعيد العسكري من يد إيران، ومنعها من توظيف الساحة اللبنانية كورقة تفاوضية في المحادثات الجارية بشأن ملفات إقليمية أوسع، والتي لا تزال تتسم بالبطء والتعثر.
وبحسب الزغبي، فإنّ المفاوضات مرشحة للاستمرار حتى في ظل بقاء مستوى معين من الاشتباكات المحدودة، على أن تفضي في نهاية المطاف إلى خريطة طريق ترتكز على معادلة واضحة: نزع سلاح “حزب الله”، أو على الأقل تحييد قدراته العسكرية وحصر نشاطه ضمن نطاقات محددة ومراقبة، مقابل جدول زمني للانسحاب الإسرائيلي من الأراضي التي لا تزال تحتلها.
ويضيف أنّ جرعة التفاؤل التي رافقت الجولة الرابعة من المفاوضات لا تأتي من فراغ، بل تستند إلى تقاطع مصالح بين مختلف الأطراف. فلبنان يسعى إلى إنهاء الحرب، واستكمال الانسحاب الإسرائيلي، وتهيئة الظروف لإعادة الإعمار وتثبيت الحدود، فيما ترى إسرائيل في هذه المفاوضات فرصة لتحقيق هدفها الاستراتيجي المتمثل في إزالة التهديد الأمني على جبهتها الشمالية.
ويخلص الزغبي إلى أنّ إيران قد تجد نفسها في قلب عملية مقايضات إقليمية واسعة، حيث تصبح أذرعها ونفوذها في المنطقة جزءاً من تسويات أكبر، مقابل ضمانات تتصل بالحفاظ على استقرار النظام الإيراني في مواجهة التحديات الداخلية المتزايدة والخلافات المتصاعدة حول كلفة المواجهات الإقليمية وحدودها السياسية والعسكرية.
من جهته، أكد الكاتب السياسي يوسف قاسم أنّ المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل لا تزال تواجه تعقيدات كبيرة تحول دون تحقيق أي اختراق حقيقي حتى الآن، مشيراً إلى أنّ الضغوط التي يمارسها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحكومة اليمين لم تنجح في تذليل العقبات الأساسية.
وأوضح قاسم أنّ المشهد الإسرائيلي الداخلي يزيد من تعقيد الملف، في ظل الأزمة السياسية التي يواجهها نتنياهو والتهديدات التي تطال تماسك ائتلافه الحكومي، فضلاً عن استغلال المعارضة الإسرائيلية لهذه الضغوط لتوجيه مزيد من الانتقادات له.
ورأى أنّ نتنياهو لن يقدم أي تنازل يتعلق بالانسحاب من الأراضي اللبنانية التي احتلتها إسرائيل خلال المواجهات الأخيرة، قبل التوصل إلى اتفاق سياسي واسع يضمن نزع سلاح حزب الله بشكل كامل، سواء قبل الانسحاب أو بالتزامن معه. واعتبر أنّ هذه المسألة تتجاوز الإطار اللبناني والإسرائيلي، لأنها ترتبط مباشرة بالموقف الإيراني، إذ ما زال كلٌّ من طهران وحزب الله يرفضان تسليم السلاح، فيما تنظر إيران إلى الساحة اللبنانية باعتبارها إحدى أوراقها الأساسية على طاولة التفاوض مع الولايات المتحدة.
وأضاف قاسم أنّ جوهر الأزمة لا يكمن في تفاصيل تقنية أو خلافات على بنود تفاوضية، بل في طبيعة الصراع الإقليمي نفسه، حيث تحول لبنان إلى ساحة تجاذب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، الأمر الذي يجعل المفاوضات الحالية أقرب إلى “مفاوضات من أجل المفاوضات” من دون أفق واضح لنتائج ملموسة.
وأشار إلى أنّ أي تقدم فعلي في الملف اللبناني يبدأ من طهران، وليس من بيروت أو تل أبيب، لافتاً إلى أنّ فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني لم يتحقق عملياً حتى الآن. واعتبر أنّ الوصول إلى تسوية يتطلب إما اتفاقاً أميركياً – إيرانياً شاملاً يتضمن وقف دعم الأذرع الإقليمية، وفي مقدمتها حزب الله، سياسياً وعسكرياً ومالياً، أو تطوراً كبيراً يفرض واقعاً جديداً في المنطقة.
وتابع أنّ الخيارين المطروحين حالياً يتمثلان إما في تسوية سياسية كبرى بين واشنطن وطهران، أو في مواجهة عسكرية واسعة مع إيران قد تؤدي إلى تغيير جذري في موازين القوى. إلا أنه استبعد في المرحلة الراهنة اندلاع حرب شاملة، نظراً إلى اعتبارات دولية واقتصادية متعددة، من بينها تداعيات أي تصعيد على أسواق الطاقة العالمية.
وختم قاسم بالتأكيد على أنّ المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية لن تحقق أي نتائج حقيقية ما لم يُحسم الملف الإيراني المرتبط بحزب الله، سواء عبر تسوية سياسية شاملة أو عبر تحول استراتيجي كبير في المنطقة، معتبراً أنّ مستقبل هذه المفاوضات يبقى رهناً بمآلات الصراع الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران.




