تقدّم حذر في المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية… وحصرية السلاح تتصدّر المشهد


خاص 4 حزيران, 2026

الولايات المتحدة تواصل ممارسة ضغوط دبلوماسية بهدف إدراج ترتيبات عملية وقابلة للتنفيذ ضمن أي تفاهم مرتقب، بما في ذلك مسألة المناطق التجريبية. ويعكس هذا التوجّه رغبةً أميركيةً في تحقيق نتائج تدريجيّة تساهم في تثبيت الاستقرار، غير أنّ نجاح هذه المقاربة يبقى رهنًا بقدرتها على تحقيق توازن دقيق بين الاعتبارات الأمنية المشروعة ومتطلّبات السيادة اللبنانية.

كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:

تدخل المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية مرحلةً دقيقةً بعد مؤشرات متزايدة إلى إحراز تقدّم في النقاشات المتعلقة بخطة العمل الأمنية، وذلك عقب فترة من المراوحة والبطء طبعت الجولات الأولى من المحادثات. وبين رهانات تثبيت الهدوء على الحدود الجنوبية ومتطلّبات حماية السيادة اللبنانية، تتكثّف الجهود الدولية لإيجاد أرضيّة مشتركة تسمح بالانتقال من إدارة التوتّر إلى بناء تفاهمات أكثر استدامة.

وفي وقتٍ تتقاطع فيه المصالح الإقليمية والدولية على ضرورة منع أي انفجار أمني جديد، تبرز ملفّات انتشار الجيش اللبناني وتطبيق القرار 1701 وتعزيز دور مؤسّسات الدولة كعناوين أساسية في أي تسوية مرتقبة. وتبقى الأنظار متّجهة إلى قدرة هذه المفاوضات على ترجمة التقدّم المسجّل إلى خطوات عمليّة تعزّز الاستقرار وتكرّس حصرية القرار الأمني والعسكري بيد الدولة اللبنانية ومؤسّساتها الشرعية.

وفي هذا الإطار، يقول الدكتور زياد الصائغ، المدير التنفيذي لملتقى التأثير المدني، لـ”هنا لبنان” إن “توصيف أجواء المفاوضات الجارية بأنّها إيجابيّة بحذر يعكس وجود إرادة سياسية ودبلوماسية واضحة للحفاظ على مسار التفاوض ومنع الانزلاق نحو تصعيد أمني جديد، من دون أن يعني ذلك بلوغ مرحلة الاختراقات الحاسمة أو التوصّل إلى تفاهمات نهائية بشأن الملفات الخلافيّة الأساسية”.

ويؤكّد الصائغ أنّ “التقدّم المسجّل حتى الآن يتركّز بصورة رئيسية على إدارة التوتّر واحتواء احتمالات التصعيد، فيما لا تزال القضايا الجوهرية موضع تباين بين الأطراف المعنيّة، الأمر الذي يفرض مقاربةً واقعيةً تُوازن بين متطلبات الأمن ومقتضيات السيادة والاستقرار المستدام”.

ويستطرد: “في هذا الإطار، تبرز فكرة “المناطق التجريبية لوقف إطلاق النّار” كإحدى الآليّات المطروحة لاختبار إمكان الانتقال من مرحلة التهدئة المؤقتة إلى مرحلة أكثر استقرارًا”. ويعتبر الصائغ أن “هذه الآلية قد تشكل مدخلًا عمليًّا لبناء الثّقة المتبادلة، شرط أن تكون محدّدة زمنيًّا وجغرافيًّا بشكل واضح، وأن ترتبط بمسار سياسي وأمني متكامل يهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النّار على نطاق أوسع، لا إلى تكريس وقائع ميدانية جديدة”.

ويشير الصائغ إلى “أنّ مسألة المنطقة العازلة لا تزال تمثّل إحدى أبرز العقد المطروحة على طاولة المفاوضات. ففي حين تسعى إسرائيل إلى الحصول على ضمانات أمنية إضافية لحماية مستوطناتها الشمالية، يتمسّك لبنان برفض أي ترتيبات يمكن أن تُفسَّر على أنّها انتقاص من سيادته الوطنية أو مدخل لفرض منطقة عازلة داخل أراضيه. ومن هنا، تبدو أي تسوية محتملة مرتبطة بتعزيز حضور الدولة اللبنانية وانتشار الجيش اللبناني بصورة فعّالة، بالتوازي مع التطبيق الكامل للقرار 1701 وتفعيل آليّات المراقبة الدولية القائمة”.

ويلفت الصائغ إلى “أنّ الولايات المتحدة تواصل ممارسة ضغوط دبلوماسية بهدف إدراج ترتيبات عملية وقابلة للتنفيذ ضمن أي تفاهم مرتقب، بما في ذلك مسألة المناطق التجريبية. ويعكس هذا التوجّه رغبةً أميركيةً في تحقيق نتائج تدريجيّة تساهم في تثبيت الاستقرار، وهو ما أكده الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بوصفه أنّ المفاوضات تسير بين الجانبَيْن الإسرائيلي واللبناني بشكل جيد جدًّا، غير أنّ نجاح هذه المقاربة يبقى رهنًا بقدرتها على تحقيق توازن دقيق بين الاعتبارات الأمنية المشروعة ومتطلّبات السيادة اللبنانية، بما يمنع توليد حساسيّات سياسية إضافية أو تعقيد مسار التفاوض”.

ويُضيف الصائغ “أن التوصل إلى اتفاق حول خطة أمنيّة متكاملة تشمل انتشار الجيش اللبناني وتعزيز حضوره العملاني على الأرض سيشكّل خطوةً إيجابيةً ومهمةً في الاتجاه الصحيح، إلّا أنّه لن يكون كافيًا بمفرده لمعالجة مختلف الهواجس الأمنية القائمة”.

ويؤكد أنّ الاستقرار المُستدام، وفق الصائغ، “يتطلب التزامًا متبادلًا بمنع الخروقات واحترام التفاهمات، إلى جانب تعزيز دور المؤسّسات الشرعية اللبنانية باعتبارها المرجعية الوحيدة المخولة إدارة الشأنَيْن الأمني والعسكري على كامل الأراضي اللبنانية”.

وعلى المستوى الإقليمي، يُشدّد الصائغ على “أنّ مستقبل هذه المفاوضات لا يمكن فصله عن التحوّلات الجارية في الشرق الأوسط. فالمواقف الإيرانية، كما مسارات الصراع والتفاوض في المنطقة، ستبقى عوامل مؤثّرة بصورة مباشرة وغير مباشرة في فرص نجاح التهدئة واستمرارها. وكلّما اتجهت المنطقة نحو التسويات السياسية وخفض مستويات التوتّر، ازدادت فرص تثبيت الاستقرار على الجبهة اللبنانية، مع أهمّية الإبقاء على المسار اللبناني مفصولًا بنيويًا عن استغلال إيران له بشكل خبيث. أمّا استمرار المواجهات الإقليمية أو توسعها، فقد ينعكس سلبًا على المسار التفاوضي وعلى مستوى الهدوء القائم”.

ويخلص الصائغ إلى “أنّ المفاوضات الحالية تمثّل فرصةً حقيقيةً لتعزيز الاستقرار وترسيخ سيادة الدولة اللبنانية، غير أنّ نجاحها يبقى مرتبطًا بقدرة الأطراف المعنيّة على الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة أسبابها البنيوية، وبمدى نجاح الجهود الدولية والإقليمية في توفير بيئة سياسية وأمنية داعمة لاستقرار مستدام، يقوم على السيادة اللبنانية الكاملة وحصرية القرار الأمني والعسكري بيد الدولة ومؤسّساتها الشرعية”.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us