ضربة الضاحية.. “الحزب” يفجّر التصعيد وإسرائيل تتّجه لتوسيع ضرباتها على لبنان

استمرار “الحزب” في إدارة التصعيد من خارج سلطة الدولة، وربط الساحة اللبنانية بساحات صراع إقليمية، قد أسّس لمرحلة خطيرة من انكشاف لبنان أمنياً وسياسياً، وجعله عرضة لضربات متكررة تُفاقم معاناة الداخل وتضعف قدرة الدولة على فرض أي معادلات ردع أو حماية
كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، يواصل حزب الله جرّ لبنان إلى قلب المواجهة المفتوحة مع إسرائيل، متجاوزاً منطق الدولة ومؤسساتها، ومُبقيًا البلاد رهينة قرار عسكري منفصل عن الإجماع الوطني، ما يجعل اللبنانيين يدفعون مجدداً ثمن خيارات لا يملكون فيها رأياً ولا قدرة على التأثير.
فالواقع الراهن يعكس، بحسب مراقبين، أنّ استمرار الحزب في إدارة التصعيد من خارج سلطة الدولة، وربط الساحة اللبنانية بساحات صراع إقليمية، قد أسّس لمرحلة خطيرة من انكشاف لبنان أمنياً وسياسياً، وجعله عرضة لضربات متكررة تُفاقم معاناة الداخل وتضعف قدرة الدولة على فرض أي معادلات ردع أو حماية.
وفي هذا السياق، جاءت الغارة الإسرائيلية الأخيرة على الضاحية الجنوبية لبيروت، بعد أيام فقط من الحديث عن تفاهمات دولية هدفت إلى ضبط قواعد الاشتباك، لتعيد طرح السؤال الجوهري حول مدى صمود هذه التفاهمات أمام واقع ميداني مفتوح على الاحتمالات كافة، وفي ظل تصعيد يتسارع على أكثر من جبهة.
استهداف الضاحية الجنوبية لم يكن مستغرباً، يقول العميد المتقاعد جوني خلف لـ”هنا لبنان”، مشيراً إلى أنّ هذا الهدف كان مطروحاً منذ نحو أسبوعين، أي قبل الاجتماع الذي عقدته اللجنة الأمنية اللبنانية في واشنطن داخل البنتاغون. ولفت إلى أنّ التفاهمات التي أعقبت تلك الاجتماعات تحدثت عن وقف إطلاق النار وتحييد بيروت والضاحية الجنوبية عن الاستهداف، وهو ما أشار إليه أيضاً الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تصريحاته.
ويعتبر خلف أنّ إسرائيل لم تعد تلتزم بأي خطوط حمراء في هذا الملف، بعدما وضعت الضاحية الجنوبية في مواجهة مباشرة مع ملف المسيّرات التي يطلقها حزب الله باتجاهها. وبحسب تقديره، فإنّ سقوط هذه الخطوط الحمراء يعني أنّ لبنان بأكمله بات معرضاً للاستهداف، سواء الضاحية الجنوبية أو سائر المناطق.
وفي المقابل، يحمّل خلف “حزب الله” مسؤولية جرّ لبنان إلى هذه المواجهة، مؤكداً أنه لا يلتزم بقرارات الحكومة اللبنانية ولا بنتائج المفاوضات التي جرت في واشنطن، سواء في وزارة الخارجية الأميركية أو في البنتاغون. مشيراً إلى أنّ تصريحات عدد من قيادات الحزب، وفي مقدمتهم نعيم قاسم، تظهر رفضاً لمسار التفاوض وعدم الالتزام بقرارات الدولة.
ويرى أنّ مواقف رئيس مجلس النواب نبيه بري الأخيرة عكست أيضاً وجود انتقادات للمفاوضات وغياب توافق داخلي كامل حولها، سواء على المستوى اللبناني العام أو ضمن البيئة الشيعية. كما تحدث عن اعتراضات إيرانية على هذا المسار، معتبراً أنّ بعض التصريحات الصادرة في لبنان والمنطقة تسهم في زيادة التوتر السياسي والأمني.
ويؤكد خلف أنّ المؤشرات الحالية لا تبعث على التفاؤل، بل تنذر بمزيد من التصعيد، خصوصاً بعد سقوط التفاهمات الداخلية وتراجع فرص الالتزام بوقف إطلاق النار. ويضيف أنّ إسرائيل تنسق مع الولايات المتحدة في هذا الملف، ما يجعل احتمال تكرار استهداف الضاحية أو توسيع نطاق العمليات إلى مناطق لبنانية أخرى أمراً وارداً.
وفي تقييمه للمفاوضات، اعتبر أنّ الجولة الرابعة لم تحقق حتى الآن أي نتائج ملموسة، معرباً عن خشيته من توقف هذا المسار في أي لحظة. ويشدد على أنّ أي تقدم يبقى صعباً ما دام حزب الله، بحسب تصريحاته ومواقف قياداته، غير مستعد لتسليم سلاحه للدولة اللبنانية، في ظل استمرار الدعم الإيراني له واستخدام هذا الملف كورقة ضغط في أي مفاوضات مستقبلية بين طهران والولايات المتحدة.
ويختم خلف بالتأكيد أنّ لبنان يقف اليوم أمام مرحلة شديدة الخطورة والحساسية، محذراً من أنّ استمرار التصعيد المتبادل قد يؤدي إلى توسع المواجهة بشكل أكبر. مشيراً إلى أنّ إسرائيل تعتبر أنّ أي تهديد لأمنها من الأراضي اللبنانية يبرر استمرار عملياتها العسكرية، وتحمّل الدولة اللبنانية والجيش اللبناني مسؤولية ضبط الوضع، ما يجعل المشهد السياسي والعسكري أكثر تعقيداً في المرحلة المقبلة.
من جهته، يقول العميد خالد حمادة، الباحث في الشؤون الأمنية والسياسية ومدير المنتدى الإقليمي للاستشارات والدراسات، إنّ الضربة الإسرائيلية التي استهدفت الضاحية الجنوبية أمس تمثل تحولاً لافتاً في قواعد الاشتباك القائمة، وتطرح تساؤلات جدية حول طبيعة التفاهمات والضوابط التي كانت تحكم مسار التصعيد خلال المرحلة الماضية.
ويشير حمادة إلى أنّ هذه العملية جاءت رغم التحذيرات التي نُقلت قبل أيام عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن ضرورة تجنب استهداف الضاحية الجنوبية، إلا أنّ اللافت في الضربة الأخيرة أنها اقتصرت، بحسب الرواية الإسرائيلية، على هدف عسكري محدد داخل الضاحية، من دون اللجوء إلى نمط التدمير الواسع الذي طبع جولات سابقة من المواجهة.
ويضيف أنّ هذا التطور قد يؤشر إلى نشوء معادلة جديدة قوامها استهداف إسرائيل لأهداف عسكرية داخل الضاحية الجنوبية، مقابل الهجمات التي ينفذها حزب الله ضد أهداف عسكرية في إسرائيل، ما يفتح الباب أمام مرحلة مختلفة من إدارة الصراع.
ويعتبر حمادة أنّ العامل الأبرز الذي استجد اليوم يتمثل في الموقف الأميركي الداعم لهذه الضربات، بعدما وصفها الرئيس ترامب بأنها “ضربات دقيقة”، مؤكداً دعم الولايات المتحدة لها. وبرأيه، فإنّ هذا الموقف لا يقتصر على توفير الغطاء السياسي للعمليات الإسرائيلية، بل يتعداه إلى احتمال انخراط أطراف إقليمية أخرى في هذا المسار، بما في ذلك سوريا التي لمّح الرئيس ترامب لدور لها في لبنان، الأمر الذي يضع لبنان أمام خيارات معقدة وحساسة للغاية.
ويتابع أنّ أي دور سوري محتمل في استهداف مواقع أو بنى تابعة لحزب الله، وخصوصاً في منطقة البقاع، من شأنه أن ينقل التصعيد إلى مستوى جديد يتجاوز الضوابط التقليدية التي حكمت المواجهة حتى الآن، ويضيف بعداً إضافياً إلى العامل الإيراني الذي يشكل أساساً أحد أبرز عناصر المشهد اللبناني والإقليمي.
وفي ما يتعلق بالموقف الإيراني، يلفت حمادة إلى أنّ التهديدات الصادرة من طهران بالرد على استهداف الضاحية الجنوبية، عبر تنفيذ ضربات ضدّ أهداف في شمال إسرائيل، تبقى رهناً بمدى استعداد إيران لترجمة هذه التهديدات عملياً. ويؤكد أنّ أي تدخل إيراني مباشر سيضع المنطقة أمام احتمال اندلاع مواجهة جديدة بين إيران وإسرائيل، بما قد يفضي إلى معادلات سياسية وأمنية مختلفة تماماً عن تلك التي تحكم حالياً مسار التفاوض بين واشنطن وطهران.
ويخلص حمادة إلى أنّ المؤشرات الراهنة لا توحي إلا بمزيد من التصعيد، سواء قررت إيران التدخل المباشر أم لا. فاستهداف الضاحية الجنوبية لم يعد يبدو خاضعاً للقيود أو المحاذير الأميركية التي كانت قائمة سابقاً، ما يمنح إسرائيل هامشاً أوسع للتحرك العسكري، ويفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيداً وخطورة على الساحة اللبنانية والإقليمية.




