من الضربات إلى التفاوض… هل دخلت واشنطن وطهران مرحلة الحسم؟


خاص 12 حزيران, 2026

يبدو أنّ المواجهة الأميركية ـ الإيرانية قد دخلت مرحلة تضيق فيها هوامش المناورة أمام الطرفين. وبين ضغوط الميدان وتعقيدات التفاوض، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت الأسابيع المقبلة ستقود إلى اتفاق يطوي أحد أكثر الملفات تعقيداً في الشرق الأوسط، أم إلى جولة جديدة من التصعيد قد تعيد رسم ملامح المنطقة بأسرها

كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:

تدخل المواجهة الأميركية ـ الإيرانية مرحلة هي الأكثر حساسية منذ أشهر، بعدما انتقلت التهديدات المتبادلة إلى خطوات ميدانية مباشرة رفعت مستوى التوتر إلى مستويات غير مسبوقة. فبعدما توعّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضرب إيران، نفّذت واشنطن موجة من الضربات استهدفت مواقع داخل الأراضي الإيرانية، في خطوة اعتُبرت ترجمة مباشرة لتحذيراته السابقة. وردّت طهران بإعلان استهداف قواعد عسكرية في الكويت والبحرين والأردن، كما أعلنت إغلاق مضيق هرمز وهددت باستهداف أي سفينة تحاول عبوره، ما أثار مخاوف جدية من اتساع رقعة المواجهة في المنطقة.
إلا أنّ المشهد شهد تحولاً لافتاً لاحقاً مع إعلان ترامب إلغاء الضربات وعمليات القصف التي كانت مقررة ضد إيران، مؤكداً أنّ المحادثات بين الجانبين وصلت إلى أعلى مستوياتها، وأنّ طهران وافقت على البنود النهائية لاتفاق يجري التحضير للإعلان عن مكان وموعد توقيعه قريباً. كما أشار إلى أنّ الاتفاق يحظى بدعم عدد من دول المنطقة، مع تأكيده في الوقت نفسه أن الحصار البحري على إيران سيبقى قائماً حتى استكمال إجراءات الاتفاق.
وتأتي هذه التطورات في وقت يتواصل فيه القتال بين إسرائيل وحزب الله في لبنان، ما يرفع منسوب التوتر الإقليمي ويجعل المنطقة أمام مرحلة دقيقة تتداخل فيها احتمالات التهدئة مع مخاطر الانزلاق نحو مواجهة أوسع.

وفي هذا الإطار، يقول الصحافي والكاتب السياسي جورج عطية لـ”هنا لبنان” إنّ الضربات الأميركية الأخيرة تجسد سياسة “العصا والجزرة” التي تنتهجها واشنطن في صراعها مع طهران. ويعتبر أنّ من مرتكزات النزاعات الدولية أن القوة والدبلوماسية مساران متوازيان، وأنّ الولايات المتحدة تعد الطرف الأكثر قدرة على توظيف هذه الثنائية عبر دمج “القوة الخشنة” المتمثلة بالعمل العسكري مع “القوة الناعمة” القائمة على العقوبات الاقتصادية. وبحسب عطية، تهدف واشنطن من خلال هذه المقاربة إلى دفع إيران نحو اتفاق ينهي برنامجها النووي ويعزز تعاونها الإقليمي والدولي بما يحقق قدراً أكبر من الاستقرار في المنطقة.
ويضيف عطية أنّ فهم المصالح الأميركية تجاه طهران يتطلب التمييز بين النظام الإيراني والبرنامج النووي، معتبراً أنّ الخطر الأساسي بالنسبة لواشنطن يكمن في البرنامج النووي وليس في النظام بحد ذاته. ويرى أنّ الإدارة الأميركية ستواصل الجمع بين الضغوط العسكرية والاقتصادية وبين المسار التفاوضي، لكن ضمن مهلة زمنية محددة، لا سيما مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الأميركية.
ويشير إلى أنّ عامل الوقت يشكل سيفاً ذا حدين، موضحاً أنّ طهران تراهن، من وجهة نظره، على كسب الوقت حتى الانتخابات النصفية الأميركية أملاً في تغير المعطيات السياسية داخل الولايات المتحدة. كما يرى أنّ العامل الإسرائيلي سيبقى مؤثراً في صياغة السياسة الأميركية، من خلال الضغوط الرامية إلى تشديد العقوبات وتعزيز الضغوط العسكرية بهدف الوصول إلى تفاهم طويل الأمد يحد من البرنامج النووي الإيراني ونفوذ أذرع طهران الإقليمية.
ويتابع عطية أنّ أي تفاهم مستقبلي قد يركز على ضمان أمن الممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمها مضيق هرمز وباب المندب، مع المحافظة على الاستقرار الإقليمي. كما يشير إلى أنّ مستقبل النظام الإيراني سيبقى مرتبطاً بتطورات الداخل الإيراني وقدرة قوى المعارضة على تنظيم صفوفها.
وفي ما يتعلق بالساحة اللبنانية، يرى عطية أن أي تقدم ميداني إسرائيلي أو تراجع في قدرات حلفاء إيران في المنطقة من شأنه أن يزيد حجم الضغوط الواقعة على طهران، معتبراً أن قدرة إيران على استخدام أوراق نفوذها الإقليمية ستبقى عاملاً أساسياً في تحديد مسار المواجهة خلال المرحلة المقبلة. ويطرح في هذا السياق تساؤلات حول احتمال لجوء طهران إلى تفعيل أوراق ضغط أخرى، ومنها الساحة البحرية في باب المندب، إذا شعرت بتراجع نفوذها في ساحات أخرى.

من جهته، يرى الكاتب السياسي قاسم يوسف أنّ “المعطيات المتوافرة حالياً تشير إلى أننا دخلنا فعلياً الربع ساعة الأخير من مسار التفاوض الأميركي ـ الإيراني، حيث باتت المنطقة تقف أمام احتمالين واضحين: إما الوصول إلى تسوية كبرى واتفاق شامل، وإما الانزلاق نحو مرحلة قد تشبه الحرب”.
ويقول يوسف إنّ “إيران تتشدد في مواقفها لأنها تدرك أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يملك رغبة حقيقية في توسيع دائرة الصراع، خصوصاً أنّ التجارب السابقة المرتبطة باستهداف قيادات أو منشآت حساسة لم تؤدِّ إلى إسقاط النظام الإيراني، كما أنّ الرأي العام الأميركي وأغلبية داخل الكونغرس لم يعودوا متحمسين لخوض حروب جديدة ومكلفة، على الرغم من الضربات التي نفذتها واشنطن ضد إيران وتحذيرها من إمكان توجيه ضربات إضافية إذا استمرت طهران في التشدد بمواقفها”.

ويضيف أنّ “ترامب، في المقابل، يبحث عن اتفاق يحقق الحد الأدنى من شروطه الاستراتيجية، لكنه في الوقت نفسه يريد أن يكون أقوى من اتفاق عام 2015 الذي أبرمته إدارة أوباما، حتى يتمكن من تقديمه للرأي العام الأميركي على أنه إنجاز سياسي وانتصار لإدارته”.

ويتابع يوسف: “تحاول طهران استثمار هامش المناورة الزمني المتاح أمامها، وتحديداً في ظل استضافة الولايات المتحدة وكندا والمكسيك لكأس العالم، انطلاقاً من اعتقادها بأنّ واشنطن تحتاج إلى استقرار أسواق الطاقة وحركة الطيران والتجارة الدولية خلال هذه المرحلة، ما يمنحها مساحة إضافية للمناورة والضغط”.
ويشير إلى أنّ “الإدارة عادت في المقابل إلى سياسة الضغوط القصوى، عبر التلويح باستهداف البنية التحتية المرتبطة بالطاقة والكهرباء والنفط، وهي أدوات ضغط لعبت دوراً أساسياً في دفع إيران إلى طاولة المفاوضات، بالتوازي مع العقوبات الاقتصادية والتضييق على حركة التجارة والشحن”.

ويؤكد يوسف أنّ “الأجواء الإعلامية التي تتحدث عن أنّ الاتفاق أصبح قريباً لا تعكس بالضرورة حقيقة المشهد، لأن الخلافات الأساسية لا تزال قائمة، وأبرزها ملف تخصيب اليورانيوم، حيث تسعى واشنطن إلى الحصول على التزام طويل الأمد يمنع إيران من التخصيب لعشرين عاماً، إضافة إلى ملف مخزون اليورانيوم المخصب والمواد النووية، مع إصرار أميركي على نقلها إلى طرف ثالث أو إخضاعها لرقابة دولية مشددة”.
ويختم بالقول: “إيران لا تريد الخروج من هذه المواجهة بصورة المهزوم، لأن ذلك سيشكل ضربة لسرديتها السياسية ولمكانتها الإقليمية، ولذلك تواصل سياسة اللعب على حافة الهاوية أملاً بتحسين شروطها أو الحفاظ على الوضع القائم، بانتظار أن تفرض ضغوط الوقت والاستحقاقات السياسية المقبلة في الولايات المتحدة معادلات جديدة قد تدفع واشنطن إلى تقديم تنازلات إضافية”.

وفي المحصلة، تبدو المواجهة الأميركية ـ الإيرانية وقد دخلت مرحلة تضيق فيها هوامش المناورة أمام الطرفين. وبين ضغوط الميدان وتعقيدات التفاوض، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت الأسابيع المقبلة ستقود إلى اتفاق يطوي أحد أكثر الملفات تعقيداً في الشرق الأوسط، أم إلى جولة جديدة من التصعيد قد تعيد رسم ملامح المنطقة بأسرها.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us