جمهور الانتصارات يستبدل عبارة “الموت لأمريكا” بـ”يعيش يعيش يعيش أبو علي ترامب”…

لا يهم المواطن اللبناني إن كان ترامب قد حقّق مكسبًا سياسيًا أو إن كان مجتبى خامنئي قد نجح في تثبيت موقعه الإقليمي. ما يهمّه هو أن يستعيد لبنان سيادته الكاملة، وأن تتوقّف الحروب عن المرور فوق أرضه، وأن يصبح قرار الحرب والسلم بيد الدولة وحدها.
كتب بشارة خير الله لـ”هنا لبنان”:
في كل اتفاق كبير، يُسارع الجميع إلى إعلان النصر. المنتصرون يُعلنونه لأنفسهم، والخاسرون يحاولون تسويقه لجمهورهم. لكن بين الروايتيْن، تبقى الوقائع وحدها المعيار الحقيقي للحكم. ومن هنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه بعد التفاهم الأميركي – الإيراني: “مَن ربح فعلًا، أبو علي ترامب أم السيد علي خامنئي الذي قتله ترامب ولم يتم تشييعه بعد؟ أم أن لبنان، كالعادة، هو الخاسر الوحيد؟”…
لأشهر طويلة، سمع العالم لغة أميركية صارمة تجاه إيران. شروط قاسية، وضغوط اقتصادية وعقوبات، ووعود بمنع طهران من امتلاك عناصر القوة التي تهدّد الاستقرار الإقليمي.
لكن عندما وصل الطرفان إلى لحظة التفاهم، لم تظهر حتى الآن صورة واضحة تؤكد أنّ إيران رضخت بالكامل لهذه الشروط، كما لم تظهر صورة تؤكّد أن واشنطن فرضت إرادتها بصورة كاملة.
قد تكون هناك تفاهمات غير معلنة. وقد تكون بعض التفاصيل مؤجّلة إلى مراحل لاحقة. لكن السياسة، وتحديدًا الانتصارات السياسية، لا تُبنى على الأسرار، بل على النتائج الظاهرة.
والنتيجة الظّاهرة حتّى اللحظة هي أن إيران ما زالت قائمة، ونظامها ما زال قائمًا، ومحورها ما زال يتصرّف وكأنّه خرج من المواجهة مرفوع الرأس، ولنا مقالات سابقة نؤكد فيها أن الرئيس ترامب يهدف إلى تحويل إيران من عدو إلى صديق، من دون الحاجة إلى إسقاط نظامها.
هنا تكمن المعضلة. فإذا كانت أميركا قد انتصرت فعلًا، فلماذا تبدو أذرع إيران في المنطقة وكأنّها تحتفل؟ وإذا كانت إيران قد هُزمت فعلًا، فلماذا لا يشعر حلفاؤها بأنّهم في موقع الدفاع أو التراجع؟
في لبنان، يصبح المشهد أكثر حساسيّة. فـ”حزب الله”، الذي بنى جزءًا كبيرًا من خطابه السياسي على مواجهة الولايات المتحدة، يسعى اليوم إلى قراءة أي تفاهم أميركي – إيراني على أنه انتصار لمحور “المقاومة”.
والسؤال البديهي الذي يطرحه الكثير من اللبنانيين: “كيف يمكن اعتبار اتفاق مع واشنطن انتصارًا على واشنطن؟”، وكيف يمكن لمَن رفع شعار “الموت لأميركا” لعقود أن يقدّم أي تفاهم معها على أنّه دليل قوة لا دليل تسوية؟ وهذا ما يدركه الرئيس ترامب عشية الانتخابات النصفية، وما يدركه أيضًا الشعب الأميركي، الذي يتذكّر جيدًا إخفاقات الرئيس أوباما مع الإيرانيّين، وكلفتها العالية على الحزب الديمقراطي، وصولًا إلى انتخاب دونالد ترامب في ولايته الأولى…
لكن بعيدًا عن السجالات السياسية، هناك واقع لبناني أكثر إلحاحًا. فجزء كبير من اللبنانيين كان يعتقد أن المتغيّرات الإقليمية ستقود في نهاية المطاف إلى استكمال مشروع الدولة اللبنانية الواحدة، بسلطة واحدة وسلاح واحد وقرار واحد.
اليوم، يشعر هؤلاء بأنّ الصورة ازدادت ضبابيةً بدلًا من أن تصبح أكثر وضوحًا.
يزيد من هذا القلق الموقف الإسرائيلي نفسه. فإسرائيل لا تزال تعلن اعتراضها على أي تفاهم يمنح إيران فرصةً لإعادة ترتيب أوراقها. كما أنّها لم تقدم حتى الآن أي ضمانة فعلية بشأن مستقبل الأراضي التي لا تزال تحتلّها في الجنوب اللبناني. وبالتالي، مَن يضمن أنّ أي اتفاق أميركي – إيراني سيؤدّي تلقائيًا إلى انسحاب إسرائيلي؟ ومَن يضمن أنّ لبنان الذي ادّعت إيران أنّه قلبها، لن يبقى ساحةً مفتوحةً لتصفية الحسابات بين المشاريع المتنافسة؟
الحقيقة المرّة أنّ اللبنانيين لا يحتاجون إلى معرفة اسم المنتصر بقدر حاجتهم إلى معرفة مصير وطنهم.
لا يهم المواطن اللبناني إن كان ترامب قد حقّق مكسبًا سياسيًا أو إن كان مجتبى خامنئي قد نجح في تثبيت موقعه الإقليمي. ما يهمّه هو أن يستعيد لبنان سيادته الكاملة، وأن تتوقّف الحروب عن المرور فوق أرضه، وأن يصبح قرار الحرب والسلم بيد الدولة وحدها.
حتّى ذلك الحين، سيبقى السؤال قائمًا: مَن ربح فعلًا؟
وربّما تكون الإجابة الأكثر واقعية أنّ الجميع يُحاول ادعاء النصر، فيما يبقى لبنان وحده ينتظر نتائج المباراة التي لم يكن طرفًا فيها أصلًا.
وبناءً على ما تقدّم، يبقى التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل أولويةً ملحّةً لا يجوز التراجع عنها تحت أي ظرف، وتحديدًا بعد نَهْيِ “حزب الله” عن إطلاق النار على إسرائيل، وبالتالي إرغامه على الاعتراف بأن الحل العسكري لن يعيد الجنوبيين إلى مدنهم وقراهم… وهذا ما يعزّز أوراق لبنان الرسمي، المفترض أن يذهب إلى المفاوضات بثقة أعلى بعد انكفاء “حزب الله” عن الحرب، وبعد استبدال شعار “الموت لأمريكا” بشعار جديد: “يعيش الرفيق أبو علي ترامب… يعيش يعيش يعيش”…
مواضيع مماثلة للكاتب:
أميركا تفاوض بالدولة… وتُطمئن إيران بالحزب! | واشنطن تفاوض إيران وإسرائيل تفاوض لبنان وتحارب الحرس الثوري | خطوط حمر أميركية لحماية الدولة وسط نيران التفاوض الإسرائيلي |




