خفض سنّ القيادة: إصلاح مرتقب أم مخاطرة في طرقات تفتقد للجاهزية؟!

من الضروري التركيز أولًا على تطبيق قانون السير بشكل كامل، واستكمال الإجراءات التنظيمية المطلوبة، وتعزيز أجهزة الرقابة وإنشاء نظام مروري أكثر فعّالية قبل التفكير بخفض سنّ الحصول على رخصة القيادة.
كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:
تُعدّ مسألة القيادة في لبنان من القضايا التي تحظى باهتمام واسع، نظرًا لارتباطها المُباشر بسلامة المواطنين وحياتهم اليوميّة. ففي ظلّ ما تشهده الطرقات من ازدحام ومخالفات متكرّرة وحوادث سير، يبرز باستمرار النقاش حول أفضل السبل لتحسين الواقع المروري وتعزيز ثقافة القيادة المسؤولة. ومن هنا عاد إلى الواجهة مؤخرًا موضوع خفض السنّ القانونية للحصول على رخصة قيادة من 18 إلى 16 عامًا، ما فتح نقاشًا بين مَن يعتبر الخطوة وسيلة لإعداد سائقين أكثر وعيًا، ومَن يرى أنها قد تزيد من المخاطر في ظل الظروف الحالية.
وفي هذا الإطار، تقدّم النائب الدكتور بلال الحشيمي باقتراح قانون إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري لتعديل قانون السير، بحيث يسمح للشباب ابتداءً من سنّ 16 عامًا بالحصول على رخصة سوق موقتة وفق شروط وضوابط محدّدة. ويقوم هذا الاقتراح على فكرة إدخال السائقين الجدد إلى عالم القيادة بشكلٍ تدريجيّ، من خلال التدريب والمراقبة، بدلًا من انتقالهم مباشرة إلى القيادة الكاملة عند بلوغ السن القانونية.
ولا تُمنح هذه الرخصة الموقتة كإجازة قيادة عادية، بل ترتبط بسلسلة من الإجراءات التي تهدف إلى الحدّ من المخاطر. إذ يشترط الاقتراح الخضوع لدورات تدريبية في مدارس قيادة معتمدة، والنّجاح في امتحانات نظرية وعملية تحت إشراف الجهات المختصّة. كما يُلزم السائق الشاب بالقيادة برفقة شخص راشد يمتلك خبرةً لا تقل عن خمس سنوات، بهدف توفير التوجيه والمراقبة خلال فترة اكتساب المهارات.
كذلك، يتضمّن الاقتراح مجموعةً من القيود لضمان سلامة السائق الجديد ومستخدمي الطريق، من بينها منع قيادة بعض أنواع المركبات أو استخدام الطرق السريعة والدولية، وحصر القيادة بظروف أكثر أمانًا. كما يعتمد النظام المقترح على آلية متابعة من خلال نظام نقاط، بحيث تؤدي المخالفات الخطيرة إلى سحب الرخصة، مع تحديد صلاحيتها لمدة سنة قابلة للتجديد وفقًا لسلوك السائق ومدى التزامه بالقوانين.
إلا أن هذا الطرح لم يلقَ قبولًا من جميع الجهات، بل أثار جدلًا واسعًا في الأوساط المعنية بالسلامة المرورية. فبينما يرى البعض أنّ التدريب المبكر والمنظّم قد يساعد على بناء جيل أكثر التزامًا بقواعد السير، يرى آخرون أنّ تطبيق مثل هذا النظام يحتاج أوّلًا إلى بيئة مرورية قادرة على احتوائه.
وفي هذا السياق، أوضح رئيس “جمعية اليازا” في لبنان، الدكتور زياد عقل، أن “الجمعية ترفض حاليًا فكرة خفض سن القيادة أو اعتماد نظام القيادة التدريجيّة، معتبرًا أنّ هذه الأنظمة قد تنجح في الدول التي تمتلك ثقافةً مروريةً متقدمةً، ورقابةً فعّالةً، وتطبيقًا صارمًا للقوانين. غير أنّه رأى أن الواقع اللبناني مختلف، إذ ما زالت هناك تحدّيات كبيرة مرتبطة بتطبيق القوانين والحدّ من المخالفات”.
وأشار عقل إلى أنّ “نظام القيادة التدريجية في الدول الأخرى لا يعتمد فقط على تخفيض العمر، بل يقوم على منظومة متكاملة تشمل الرّقابة المستمرّة، والعقوبات الفعّالة، وتأهيل السائقين الجدد. أمّا في لبنان، فإنّ ضعف الرقابة وصعوبة فرض القوانين قد يجعلان من الصعب ضمان نجاح التجربة، وقد يؤدّيان إلى زيادة المخاطر بدلًا من تقليلها”.
كما حذّر من أن “السماح بالقيادة في أعمار أصغر قد يشجّع بعض المراهقين والشباب على استخدام المركبات، وخصوصًا الدرّاجات النّارية، بطريقة غير آمنة، ما قد يرفع احتمالات تعرضهم للحوادث”. وأكد أن “الأولوية يجب أن تكون لتطبيق قوانين السير الموجودة، وتعزيز التوعية والرقابة وتأمين شروط السلامة قبل إدخال أي تعديلات جديدة على سن القيادة”.
بدوره، اعتبر نائب رئيس “اليازا إنترناشونال”، جو دكّاش، أن “موضوع خفض سنّ القيادة أو اعتماد نظام القيادة على مراحل يحتاج إلى دراسة مُعمّقة، مشددًا على أن الظروف الحالية لا تبدو مناسبة لتطبيقه في لبنان”. وأوضح أنّ “موقف الجمعية لا يأتي من رفض الفكرة بشكلٍ مطلق، بل من قراءة للواقع المروري المحلي وتجارب الدول التي تعتمد هذه الأنظمة”.
ولفت دكاش إلى أن “الدول التي تسمح بالقيادة في سن 16 عامًا تفرض عادةً مجموعةً من الشروط الصارمة، مثل تحديد أماكن القيادة، ومنع استخدام طرق معيّنة، ووضع إشارات خاصة على المركبات، وإلزام السائق الجديد بوجود شخص ذي خبرة إلى جانبه”. وأضاف أن “تطبيق هذه الإجراءات يتطلّب جهاز رقابة فعالًا وقدرة حقيقية على متابعة المخالفات، وهي أمور لا تزال تشكل تحدّيًا في لبنان”.
وأكد أن “المشكلة لا ترتبط بالعمر وحده، بل ترتبط أيضًا بمدى قدرة السائق على تقدير المخاطر والتصرّف في الظروف الصعبة. وأشار إلى أن “الفئة العمرية بين 16 و25 عامًا تُعدّ من أكثر الفئات تعرضًا لحوادث السير، ما يجعل أي تعديل على سن القيادة بحاجة إلى حذر وتقييم دقيق”.
وشدّد دكاش على “ضرورة التركيز أولًا على تطبيق قانون السير بشكل كامل، واستكمال الإجراءات التنظيمية المطلوبة، وتعزيز أجهزة الرقابة وإنشاء نظام مروري أكثر فعّالية قبل التفكير بخفض سن الحصول على رخصة القيادة”. وأكد أن “الجمعية ليست ضد أي خطوة مدروسة يمكن أن تساهم في تحسين السلامة المرورية، لكنّها ترى أن أي قرار يتعلّق بالقيادة يجب أن يُبنى على دراسات واضحة وليس على استعجال”.
وفي النهاية، يبقى الجدل حول خفض سن القيادة مرتبطًا بمدى استعداد لبنان لتأمين البيئة المناسبة لهذه الخطوة. فالمسألة لا تتعلّق فقط بالسماح لفئة عمرية جديدة بالقيادة، بل بقدرة المجتمع والدولة على ضمان أن تكون هذه القيادة قائمة على التدريب، والمسؤولية، واحترام القانون، لأنّ رخصة السوق ليست مجرّد وثيقة، بل مسؤولية ترتبط مباشرة بحياة السائقين وجميع مستخدمي الطرقات.




