مأزق “الحزب”: حين تُنهي التفاهمات زمن “الساحات”

على الصعيد الميداني، يبرز الجيش اللبناني خطًا أحمر وصمام أمان؛ إذ أثبتت المؤسسة العسكرية تماسكًا نموذجيًّا خلال الحرب الأخيرة، من دون تسجيل أي حالة فرار في الجنوب، مقدّمةً شهداء من مختلف الأطياف، بما يعكس وحدة العقيدة الوطنية في ذروة الانقسام.
كتب جوني فتوحي لـ”هنا لبنان”:
منذ اللحظة الأولى التي أبصرت فيها “صيغة الإطار” النور في واشنطن، غادر النقاش اللبناني ضفاف القراءة القانونية الهادئة، لينزلق سريعًا نحو مواجهة إعلامية شرسة. فلم يعد التساؤل الملحّ منصبًّا على مضامين النصّ وبنوده، بل تمحور حول أدوات إسقاطه سياسيًا وتصويره أمام الرأي العام على أنه صكّ استسلام ومذكرة إذعان. ووفقًا لقراءة مصادر سياسية واسعة الاطلاع، فإنّ هذا المناخ يمثل ذروة التشويه الممنهج لحقائق ينبغي تفكيكها بواقعية.
الحقيقة الأولى، والدستورية بامتياز، تشير إلى أن ما طُرح ليس معاهدة دولية نهائية ولا اتفاقًا مكتملًا، بل مجرد “صيغة إطار” ترسم خريطة طريق أولية ومبادئ عامة لمسار تفاوضي لاحق. وهذا التمييز الجوهري يُسقط كل الجدل المفتعل حول ضرورة عرضه الفوري على مجلس الوزراء أو البرلمان، إذ لا توجد بعد التزامات قانونية ناجزة ومبرمة، وإنما جرى خلط مقصود بين الإطار والاتفاق النهائي لغايات سياسية.
لكن التحوّل الأعمق يتجاوز الشكليات القانونية ليلامس فلسفة إدارة الصراع؛ فللمرة الأولى يُطرح مسار جاد ينقل لبنان من معادلة “الهدنة الهشّة” القابلة للانفجار عند أي منعطف، إلى مربّع “الاستقرار المستدام” المحمي بضمانات أميركية وإقليمية ودولية. ويُترجم هذا التحوّل عمليًا بوقف دائم للعمليات العسكرية، وانسحاب إسرائيلي تدريجي ومرحلي من الأراضي اللبنانية، بالتوازي مع تأمين عودة النازحين إلى قراهم، وإطلاق ورشة إعمار كبرى، وصولًا إلى الهدف الأساسي: استعادة الدولة سيادتها الكاملة وحصريتها في امتلاك السلاح وقرار الحرب والسلم.
في هذا السياق، لم يخرج الوفد اللبناني خالي الوفاض، بل نجح في تثبيت ركائز استراتيجية، في مقدمتها تكريس حقّ الدفاع المشروع عن النفس، وتثبيت انتفاء الأطماع الإسرائيلية في الأراضي اللبنانية، وهي معطيات سياسية وازنة في أي قراءة موضوعية. وفي المقابل، تبرز مفارقة صارخة في سلوك الجهات التي تقاوم هذا المسار؛ إذ يبدو أن أولويّتها ليست وقف نزيف الدماء والدمار الذي خلّف آلاف الضحايا وانهيارًا اقتصاديًا مرعبًا، بل منع أي حل لا يتطابق مع أدبياتها وشعاراتها التقليدية، حتى لو كان الثمن استمرار كلفة الحروب الباهظة.
أمّا أكثر النقاط التي تعرضت للاجتزاء، فهو البند الثالث عشر، الذي صُوِّر كأنه تنازل لبناني عن مقاضاة إسرائيل؛ بينما تكشف القراءة المتأنية أن الأمر لا يعدو كونه “تعليقًا مؤقتًا ومتبادلًا” لبعض الإجراءات القانونية طوال فترة التفاوض، وهو تدبير مألوف في العلاقات الدولية لتسهيل الحلول السياسية، من دون أن يعني إسقاطًا دائمًا للحقوق. وبالمثل، فإن إضفاء صفة السرية على الملاحق الأمنية ليس بدعة لبنانية، بل هو قاعدة بروتوكولية في الاتفاقات العسكرية، لأنها تتضمّن تفاصيل تنفيذية شديدة الحساسية، تشرف واشنطن على ضمان تطبيقها منعًا لانهيار التفاهمات.
وعلى الصعيد الميداني، يبرز الجيش اللبناني خطًا أحمر وصمام أمان؛ إذ أثبتت المؤسسة العسكرية تماسكًا نموذجيًّا خلال الحرب الأخيرة، من دون تسجيل أي حالة فرار في الجنوب، مقدّمةً شهداء من مختلف الأطياف، بما يعكس وحدة العقيدة الوطنية في ذروة الانقسام. ولعلّ مقارنة هذا الإطار باتفاقية هدنة عام 1949 تبدو قاصرة، نظرًا لاختلاف موازين القوى الحالية، وتعدد الضمانات الدولية، والتوجه نحو إعادة هندسة الاستقرار برمته، في مسار يبدو أنه تجاوز مرحلة النقاش ليدخل طور التطبيق الفعلي مع الجولات التنفيذية للموفد الأميركي.
واجتماعيًّا، تشير التقديرات إلى أن البيئة الشيعية، التي تحملت العبء الأكبر جراء الحرب والنزوح، ستكون المستفيد الأول من مناخ الاستقرار والنهوض، بما يفرض فصلًا تامًا بين مصالح الناس الحيوية وبين الخيارات الحزبية الضيقة. كما أن قطار إعادة الإعمار لن يمر هذه المرة عبر قنوات رديفة أو دويلات موازية، بل سيكون حصريًا تحت مظلة مؤسسات الدولة وأجهزتها الرقابية، انطلاقًا من قناعة بأن بناء الدولة يكتمل باحتكارها الإنفاق العام والإعمار، تمامًا كما تحتكر السلاح.
إن المعركة الحقيقية، في مُحصلتها، لا تدور حول فاصلة في نص أو عبارة في ملحق، بل هي مواجهة كبرى على هوية لبنان ومستقبله: هل يبقى ساحةً مستباحةً لتصفية حسابات المحاور وصندوق بريد لحروب الآخرين، أم يتحول إلى دولة طبيعية تسترد قرارها السيادي وتلج مرحلة الاستقرار والتنمية؟ وما عدا ذلك، ليس سوى ضجيج سياسي يحاول حجب فرصة تاريخية قد لا تتكرّر.
مواضيع مماثلة للكاتب:
ساعة الحقيقة في قصر بعبدا | لماذا ترتعد طهران من فكرة “ما بعد الحرب”؟! | لبنان في بازار واشنطن وطهران: صراع السيادة على طاولة المحاور |




