عدوى المسابح في لبنان… مياه ملوثة وجراثيم تهدّد الأطفال بالإسهال والجفاف

برزت خلال الفترة الأخيرة شكاوى من أهالٍ لاحظوا إصابة أطفالهم بآلام حادة في البطن وإسهال بعد ارتياد المسابح، ما أعاد طرح التساؤلات حول العدوى التي قد تنتقل عبر المياه، ومدى ارتباطها بغياب شروط التعقيم والنظافة
كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:
مع بداية موسم السباحة، تتجه العائلات إلى المسابح بحثًا عن المتعة والانتعاش، لكن خلف هذه الأجواء الصيفية قد تختبئ مخاطر صحية لا يلتفت إليها كثيرون. وبرزت خلال الفترة الأخيرة شكاوى من أهالٍ لاحظوا إصابة أطفالهم بآلام حادة في البطن وإسهال بعد ارتياد المسابح، ما أعاد طرح التساؤلات حول العدوى التي قد تنتقل عبر المياه، ومدى ارتباطها بغياب شروط التعقيم والنظافة. وبينما تبدو هذه الأعراض في بدايتها بسيطة، فإنها قد تحمل مخاطر أكبر لدى الأطفال، خصوصًا مع احتمالية تعرضهم للجفاف ومضاعفات أخرى. فما هي طبيعة هذه العدوى؟ وكيف تنتقل من مياه المسابح إلى جسم الطفل؟ ولماذا يكون الأطفال الأكثر تأثرًا بها؟
وللإجابة عن هذه التساؤلات، يوضح طبيب الأطفال والطوارئ برنارد جرباقة لـ “هنا لبنان” أنّ الإصابة بالإسهال وآلام البطن لدى الأطفال بعد السباحة غالبًا ناجمة عن ابتلاع مياه ملوثة بالجراثيم أو الطفيليات البرازية، وتزداد هذه المخاطر في لبنان في ظل أزمة الصرف الصحي وتراجع كفاءة محطات المعالجة، الأمر الذي ينعكس مباشرة على نوعية المياه في بعض الشواطئ والمسابح.
ويتابع: “إنّ أكثر الأمراض المرتبطة بالمسابح شيوعًا هي التهابات الجهاز الهضمي، والتي تنتقل غالبًا عندما يبتلع الشخص كمية، حتى لو كانت صغيرة، من مياه المسبح الملوثة ببراز شخص آخر مصاب. موضحاً أنّ هذه الكمية البسيطة قد تكون كافية لنقل الطفيليات أو البكتيريا أو الفيروسات المسببة للمرض، إذ لا يشترط دخول كميات كبيرة من المياه إلى الجسم لحدوث العدوى.
وبحسب جرباقة تنقسم مصادر الأمراض الجرثومية المرتبطة بالمياه في لبنان إلى نوعين رئيسيين: “النوع الأول يتعلق بالبحر والشواطئ، إذ تشير آخر التقارير الصادرة عن المجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان (CNRS) إلى أنّ 68% فقط من الشواطئ اللبنانية صالحة للسباحة، بينما تبقى النسبة المتبقية ملوثة بسبب تأثيرات الصرف الصحي. أما النوع الثاني فيرتبط بأحواض السباحة والمسابح المغلقة، حيث ورغم استخدام الكلور في عملية التعقيم، فإنّ بعض الطفيليات قادرة على مقاومة المعقمات والبقاء حية لعدة أيام، كما يمكن أن تنتقل العدوى بسرعة أكبر في مسابح الأطفال نتيجة كثافة الاستخدام والتجمعات”.
ويشير جرباقة إلى أنّ من أبرز مسببات هذه العدوى طفيلي الكريبتوسبوريديوم (Cryptosporidium)، الذي يتسبب بإسهال مائي حاد ومغص شديد وغثيان، ويتميز بقدرته العالية على مقاومة الكلور والعيش أيامًا عديدة في مياه المسابح. كما تأتي بكتيريا الشيغيلا (Shigella) التي قد تسبب إسهالًا يحتوي على مخاط أو دم، إضافة إلى ارتفاع الحرارة، وهي تنتقل عبر كميات ضئيلة جدًا من المياه الملوثة. وهناك أيضًا بكتيريا إيشيريشيا كولاي (E. coli)، التي تسبب تشنجات قوية في البطن وتقيؤًا وإسهالًا مائيًا، وتُعد مؤشرًا مباشرًا على اختلاط المياه بمصادر الصرف الصحي.
إضافة إلى ذلك، هناك بعض الفيروسات مثل نوروفيروس وروتافيروس، التي قد تؤدي إلى تقيؤ مفاجئ ومستمر، وإسهال، وخمول، وتتميز بسرعة انتشارها بين الأطفال، خصوصًا في أماكن التجمعات المائية.
ويضيف جرباقه أنّ “ظهور الأعراض قد يكون سريعاً في حال كانت كمية الجراثيم التي دخلت إلى الجسم كبيرة، إلا أنها لا تظهر دائمًا مباشرة بعد السباحة، إذ قد تحتاج أحيانًا إلى يوم أو عدة أيام حتى تبدأ. وتشمل هذه الأعراض الإسهال الذي قد يكون شديدًا أو متكررًا، وآلامًا وتقلصات في البطن، والغثيان والقيء، وارتفاعًا في درجة الحرارة، إضافة إلى شعور عام بالإرهاق وفقدان الشهية. وفي بعض الحالات قد يصاحب الإسهال وجود دم أو مخاط في البراز، وهي مؤشرات تستوجب مراجعة الطبيب وعدم الاكتفاء بالعلاج المنزلي”.
كما يؤكد جرباقه أنّ الأطفال هم الأكثر عرضة للإصابة بهذه العدوى، وخصوصاً الرضع، لعدة أسباب، أبرزها أنهم يميلون بطبيعتهم إلى ابتلاع مياه المسبح أثناء اللعب، كما أنّ جهازهم المناعي لا يزال في طور النمو، فضلًا عن أنّ أجسامهم تفقد السوائل بسرعة أكبر عند الإصابة بالإسهال. لذلك فإنّ ما قد يبدو وعكة صحية بسيطة لدى البالغين قد يتحول لدى الطفل إلى حالة من الجفاف الشديد واضطراب الأملاح، وقد تستدعي في بعض الأحيان إدخاله إلى المستشفى لتعويض السوائل عن طريق الوريد، خصوصًا إذا تأخر العلاج أو استمرت الأعراض لفترة طويلة.
كما يلفت جرباقه إلى أنّ الخطر لا يقتصر على الأطفال فقط، بل يشمل أيضًا كبار السن والحوامل والأشخاص الذين يعانون من ضعف في المناعة أو الأمراض المزمنة، إذ قد تكون العدوى لديهم أكثر شدة، وقد تستمر لفترة أطول، ما قد يؤدي إلى مضاعفات صحية تستوجب متابعة دقيقة.
ولحماية الأطفال من هذه العدوى، يشدد جرباقة على أهمية اتباع مجموعة من الإجراءات الوقائية. فمن الضروري تعليم الطفل عدم ابتلاع مياه البحر أو المسبح وإغلاق فمه أثناء الغوص، إضافة إلى الاستحمام بالماء النظيف والصابون مباشرة بعد الخروج من الماء. كما يجب الالتزام بخرائط التلوث وعدم السماح للأطفال بالسباحة في الشواطئ القريبة من مصبات الأنهر أو قنوات الصرف الصحي في لبنان.
وينصح أيضاً بتغيير ملابس السباحة المبللة فوراً بعد الخروج من الماء لتجنب التهابات المسالك البولية والجلد، مع ضرورة الامتناع عن السباحة عند الإصابة بالإسهال أو بأي وعكة صحية. كما يجب الاستحمام قبل النزول إلى الماء وبعد الخروج منه، والحرص على غسل اليدين جيدًا بعد استخدام دورة المياه أو تغيير حفاضات الأطفال، مع تغيير الحفاضات في الأماكن المخصصة بعيدًا عن حافة المسبح. ويشدد كذلك على عدم اصطحاب الرضع إلى البحر أو أحواض السباحة، خصوصًا في ظل صعوبة التحكم بسلوكياتهم وارتفاع احتمال تعرضهم لابتلاع المياه.
ويشدد جرباقة على ضرورة اختيار المسابح التي تلتزم بإجراءات النظافة والتعقيم، والتأكد من صفاء المياه واتباعها الاشتراطات الصحية اللازمة، لأنّ الوقاية تبقى الوسيلة الأهم لتجنب هذه العدوى.
ويختتم حديثه بالتأكيد على أنّ “مراجعة الطبيب تصبح ضرورية عند حدوث الإسهال بكميات كبيرة أو بشكل متكرر، أو إذا استمر لأكثر من يومين أو ثلاثة، أو ترافق مع ارتفاع شديد في الحرارة، أو ظهور دم في البراز، أو علامات الجفاف مثل جفاف الفم، وقلة التبول، والخمول، أو الدوخة، خصوصًا عند الأطفال، وكذلك في حال كان الطفل رضيعًا، لأنّ التدخل المبكر يحد من المضاعفات ويساعد على سرعة التعافي”.




