ترامب ومادورو وإيران

ترجمة “هنا لبنان”
كتب David Hale لـ”This is Beirut“:
لم ترسم العملية اللافتة، التي نفذتها الولايات المتحدة ضد الرئيس الفنزويلي الخطوط العريضة لاستراتيجية الأمن القومي الأميركي لعام 2026 فحسب، بل فتحت الباب على مصراعيه أمام تساؤلات واسعة النطاق.
قانونية العملية
في ضوء السابقة التي أرساها توقيف ومحاكمة وإدانة وسجن “الرجل القوي” في بنما، مانويل نورييغا عام 1990، الرد إيجابي على الأرجح من منظور القانون الأميركي الداخلي. ففي سياق قضية نورييغا، قبلت محكمة أميركية النّظر في الملف، رافضةً الدفع بالحصانة السيادية على أساس أنّها لا تنطبق على الجرائم ذات الطابع الخاص. وتُظهر قضية نيكولاس مادورو أوجه تشابه لافتة. ومن غير المرجّح أن تكون الإدارة الأميركية قد نقلت مادورو إلى الدائرة القضائية الجنوبية في نيويورك من دون التأكّد من غياب أي إشكال حول الاختصاص القضائي. كما تشدّد إدارة ترامب على أنّ العملية تندرج في إطار “إنفاذ القانون”، مستندةً إلى الصلاحيات الواسعة التي يُتيحها الدستور الأميركي للسلطة التنفيذية للتحرّك خارج الحدود الوطنية.
في المقابل، الموقف أقل وضوحًا من زاوية القانون الدولي. إذْ يمكن من حيث المبدأ، تبرير العملية باعتبارها إجراءً عادلًا في ضوء ما تسبّب به النظام من زعزعة لاستقرار كامل نصف الكرة الغربي، نتيجة تدفّقات اللاجئين واستشراء الفساد والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، إضافةً إلى تزوير الانتخابات عام 2025. غير أنّ فريق ترامب لا يستند في حجته القانونية إلى هذه المعطيات، ويُفضل الاعتماد على أساس أكثر متانة يتمثل في تطبيق القانون بحقّ أحد كبار المتورطين في تجارة المخدرات. ومن المرجّح أن تشهد الأمم المتحدة ومحافل دولية أخرى نقاشات حادّة حول هذه القضية، لكن هذه السجالات تبقى نظرية إلى حدّ كبير، بغياب أي آليات ملزمة لتنفيذ القانون الدولي.
ضرورة العملية وجدواها
الكلّ يصفّق عند النجاح أمّا الفشل فلا يحمله إلّا طرف واحد. إذا ما أُدين نيكولاس مادورو وتحسّن الوضع في فنزويلا، سيرى فريق ترامب تأكيدًا على خيار صائب. غير أن هذه العملية أحدثت تصدّعًا داخل القاعدة الشعبية لحركة “MAGA”. فالكثيرون يصفّقون للعمليات الناجحة لمكافحة المخدرات في منطقة الكاريبي، ويُعربون عن إعجابهم بمهارة وشجاعة الجنود الذين خطّطوا ونفّذوا هذا الهجوم الذي وُصف بالناجح. بيد أنّ التدخل يصطدم بقناعة راسخة تتمثل بضرورة رفع سقف أي تحرّك عسكري أميركي خارج الأراضي الوطنية. وقد عبّر جون كوينسي آدامز، مهندس مبدأ مونرو، عن هذه القناعة حين قال إنّ “أميركا لا تذهب إلى الخارج بحثًا عن وحوش لتقضي عليها”. وقد لخّص هذا الرجل، وهو أحد كبار رجال الدولة الأميركيين وخصم أندرو جاكسون، للمفارقة وبكل دقّة، مبدأً أساسيًا تتمحور حوله رؤية حركة MAGA اليوم.
في المقابل، أعلن ترامب أن الولايات المتحدة ستتولّى “قيادة” فنزويلا إلى حين إنجاز المرحلة الانتقالية، مبرزًا الفرص التي قد يتيحها ذلك أمام المصالح الأميركية في قطاع الطاقة. غير أنّ تيّارًا قويًا داخل حركته يرفض فكرة “إدارة” دولة أجنبية أخرى، خشية الانزلاق إلى مستنقعٍ مكلفٍ، بالإضافة إلى شعور البعض بأنّ هذه المغامرات لا تخدم إلا مصالح النخب الاقتصادية. ولعلّ هذا التصور ليس دقيقًا أو منصفًا بالكامل، لكنّه يعكس توجّهًا واضحًا في الحياة السياسية الأميركية، وكان أحد العوامل التي أسهمت في النجاحات الانتخابية التي حققها ترامب.
وعلى الرّغم من أنّ ترامب أدرى بتفاصيل سياساته، برزت بالفعل محاولات من قبل كبار مستشاريه لإعادة ضبط الخطاب. فقد أصاب كل من وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الدفاع بيت هيغسيث في التشديد على أنّ فنزويلا ليست العراق ولا أفغانستان ولا ليبيا؛ وعلى الرّغم من سنوات الحكم التشافيزي، لا تزال البلاد تحتفظ بهوية راسخة كدولة – أمة وبذاكرة مؤسّساتية للحكم الديمقراطي. كما صدق هيغسيث حين وصف العملية بـ “النقيض التام” للحملة العراقية، إذ لا احتلال ولا مشروع لإعادة بناء الدولة. أمّا روبيو، فسعى لتخفيف وقع تصريحات ترامب بشأن “قيادة” فنزويلا، موضحًا أن واشنطن تعتزم استخدام ورقة الحصار النفطي للضغط على النظام ودفعه نحو مسار انتقالي.
الخطوات المقبلة
لا تكفي الساعات الثماني والأربعون الأولى لإصدار الأحكام النهائية. ذلك أن المقرّبين من نيكولاس مادورو، وهم من التيار التشافيزي المتشدد، لا يزالون يُسيطرون على مفاصل السلطة، ويحافظون على ولائهم للتحالف مع موسكو وهافانا وطهران، وعلى منظومة الفساد التي أفقرت البلاد ودمرتها. إنْ دفع هؤلاء نحو تغيير جذري في سلوكهم سيشكّل تحديًا كبيرًا للغاية، إذ يحتاج إلى أكثر من مجرّد اعتقال زعيم الدولة نفسه. ومن هنا يبرز الأمل بأنّ أكثر من ستين دولة كانت قد دانت تزوير الانتخابات والجرائم ضد الإنسانية المرتبطة بنظام مادورو ستنتقل من مرحلة الكلام إلى العمل الفعلي لدعم انتقال سلمي للسلطة في فنزويلا، بدلًا من الاكتفاء بالإدانات اللفظية.
التداعيات على نطاق أوسع
يبدو أنّ إدارة ترامب تطبق بشكل عملي سياسة الأمن القومي الجديدة التي أعلن عنها في تشرين الثاني 2025، والتي تضع أولوية قصوى لنصف الكرة الغربي وتعيد التأكيد على دور الولايات المتحدة كقوة مركزية في المنطقة. هذه الخطوة تُعد رسالة قوية لحلفاء موسكو وبكين، وتُظهر أن واشنطن غير متردّدة في استخدام نفوذها وقوتها عندما يتعلق الأمر بحماية مصالحها أو مواجهة من تعتبرهم شركاء لخصومها.
وفي السياق نفسه، تبرز إيران على الساحة الدولية كقضية بارزة. فقد توعّد ترامب بالتحرّك إذا واصل النظام الإيراني قمع شعبه، وهو تهديد لم تصدر عنه إدارة سابقة بهذا الوضوح منذ سنوات. هذا الموقف يختلف تمامًا عن سياسة إدارة أوباما خلال أحداث الربيع العربي والثورة الخضراء في إيران، حيث اتُهمت الولايات المتحدة آنذاك بالتراجع عن دعم حلفائها في المنطقة، بينما تغاضت عن تجاوزات النظام الإيراني. ومع التلميح المتكرّر لمثال اعتقال مادورو، يرى البعض أن هذه الأحداث قد تُستغلّ كجزء من حملة ضغط دولية أوسع تهدف إلى إضعاف النظام الثيوقراطي الإيراني على المدى الطويل. بعد زهاء نصف قرن من الانحرافات والمعاناة التي فرضها هذا النظام على المنطقة، يرى البعض أن الساعة دقّت لطي صفحة حكم “آيات الله” في إيران.
مواضيع ذات صلة :
البيت الأبيض: الخيار العسكري في إيران لا يزال مطروحًا | إيران – غزّة: الاستنكار الانتقائيّ! | ترقب حذر لقرار أميركي “حاسم” بشأن إيران… والساعات المقبلة مفصلية! |




