هل أصبحت إيران مكشوفة من النّاحية العسكريّة؟

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth“:
ألقيت أكثر من 2000 قنبلة في غضون ثلاثين ساعة. هذا ما أوردته مصادر أمنيّة إسرائيليّة وأميركيّة مختلفة، لوصف كثافة الموجة الأولى من الضّربات الّتي استهدفت إيران، وهو حجم نيران، نادرًا ما سُجّل ضدّ دولة، يبلغ عدد سكّانها 88 مليون نسمة، وتمتلك أوسع ترسانة بالستيّة في الشّرق الأوسط.
اهتزّ التّوازن الاستراتيجيّ في الشّرق الأوسط في أقلّ من ثمانٍ وأربعين ساعة، وبشكل كبير. ووفق تقارير أمنيّة غربيّة وإقليميّة، تكون إيران قد تكبّدت، منذ حزيران 2025، ثمّ في حملة شباط 2026، تراجعًا واسعًا في قدراتها على الدّفاع الجويّ، وإطلاق الصّواريخ الباليستيّة. ويصف بعض المحلّلين هذا التطوّر بأنّه “تحوّل عسكريّ كبير”.
تفوّق جويّ
استنادًا إلى هذه التّقارير، وإلى تقييمات نقلتها وسائل إعلام أميركيّة، نفّذت القوات الجوية الإسرائيلية نحو 700 طلعة في خلال ثلاثين ساعة ضمن الموجة الأولى، مستهدفة بالدّرجة الأولى أنظمة الدّفاع المحيطة بطهران، والقواعد الاستراتيجيّة الكبرى.
ومن بين الأهداف، بطاريّات S-300PMU-2 الّتي سلّمتها موسكو عام 2016، إلى جانب مكوّنات من نظام HQ-9Bالّتي شكّلت العمود الفقريّ للدّرع الجويّ الإيرانيّ حول العاصمة. كما تُظهر صور نشرها الجيش الإسرائيليّ، ضربات طالت رادارات بعيدة المدى مرتبطة بهذه الأنظمة.
وأكّد مسؤولون في القيادة المركزيّة الأميركيّة CENTCOM تنفيذ ضربات منسّقة ضدّ أكثر من ألف هدف عسكريّ في إيران، في خلال مراحل الهجوم المختلفة.
ووفق صحيفة نيويورك تايمز، نقلًا عن مسؤولين أميركيّين، جرى تدمير نحو نصف منصّات إطلاق الصّواريخ البالستيّة الإيرانيّة، أو تحييدها، مع نهاية الحملتيْن المدمجتيْن.
التّرسانة الباليستيّة: بنية تتفكّك
قبل هذه الهجمات، امتلكت إيران واحدة من أكبر التّرسانات الباليستيّة في الشّرق الأوسط. وتشير التّقديرات الغربيّة إلى نحو 3000 صاروخ، وما يقارب 400 منصّة إطلاق متنقّلة تيل TEL- ناقلات منصّات إطلاق، موزّعة في قواعد محصّنة، وأنفاق، ومنشآت تحت الأرض، طوّرتها القوّة الجوّ-فضائيّة التّابعة للحرس الثوريّ، على مدى أكثر من ثلاثين عامًا.
ومن بين أخطر هذه الوسائط، صواريخ Ghadr-1 بمدى يُقدّر بنحو 2000 كيلومتر، وصواريخ Emad ذات العودة الموجّهة، وصواريخ Kheibar Shekan العاملة بالوقود الصّلب، المصمّمة لتقليص زمن التّحضير، وتعقيد عمليّات الرّصد.
غير أنّه، ووفق التّقارير المشار إليها، جرى تسجيل 62 موجة إطلاق إيرانيّة منفصلة في خلال مراحل التّصعيد الأخيرة، مع تراجع تدريجيّ في عدد المقذوفات في كلّ دفعة، وهو ما يُعتبر مؤشّرًا، بحسب هذه التّقارير، على تآكل متزايد في قدرات الإطلاق.
وتُظهر مقاطع نشرها الجيش الإسرائيليّ مقاتلات F-35I وهي تستهدف منصّات إطلاق متنقّلة، في أثناء انتشارها على طرق مفتوحة، فيما تؤكّد تسجيلات أميركيّة تنفيذ ضربات بصواريخ كروز من طراز Tomahawk ضدّ منشآت محصّنة.
هل طُويت أخيرًا “مشكلة سكود”؟
يقارن بعض المحلّلين العسكريّين الوضع الرّاهن بمطاردة صواريخ سكود العراقيّة في خلال حرب الخليج عام 1991، حين عجز التّحالف الدوليّ عن تحييد منصّات الإطلاق المتنقّلة، التّابعة لصدّام حسين، بصورة فعّالة. وكانت صواريخ سكود صواريخ باليستيّة سوفياتيّة قصيرة إلى متوسّطة المدى، جرى تصديرها على نطاق واسع في خلال الحرب الباردة، واستخدمتها العراق بقيادة صدّام حسين في حرب الخليج عام 1991. وبفعل تحرّكها عبر منصّات إطلاق مثبّتة على شاحنات، كان رصدها، وتدميرها، فائق الصّعوبة، ما شكّل تحدّيًا كبيرًا للقوّات الغربيّة، ولسنوات طويلة.
في حالة إيران، اشتقّ الكثير من صواريخها الباليستيّة الأولى، مثل Shahab-1 وShahab-2، مباشرة من صواريخ سكود. وقد شكّلت هذه البنية المتنقّلة لفترة طويلة أساس ترسانتها الباليستيّة، ما جعل استهداف منصّات الإطلاق صعبًا، قبل الضّربات الإسرائيليّة والأميركيّة الأخيرة.
ويكمن الفارق، بحسب خبراء أمن، نقلت عنهم مراكز أبحاث أميركيّة، في الجمع بين المراقبة الفضائيّة المستمرّة، وأجهزة الاستشعار المحمولة من الجيل الجديد، وأنظمة التّحليل المدعومة بالذّكاء الاصطناعيّ، ما يسمح بتقليص الفاصل الزمنيّ بين الاكتشاف والضّربة بشكل كبير، ويجعل منصّات الإطلاق المتنقّلة أكثر عرضة للاستهداف مقارنة بالماضي.
المسألة النوويّة في الخلفيّة
إلى جانب البنى التحتيّة العسكريّة التقليديّة، يبقى الرّهان الاستراتيجيّ: قدرة إيران على حماية برنامجها النوويّ.
قبل حملة حزيران 2025، أشارت الوكالة الدوليّة للطّاقة الذريّة إلى وجود نحو 408 كيلوغرامات من اليورانيوم المخّصب بنسبة 60%، وهو مستوى قريب من العتبة العسكريّة. ومنذ الضّربات، أكّد عدد من المسؤولين الإسرائيليّين افتقارهم إلى رؤية كاملة حول موقع هذا المخزون.
وبالنسبة إلى الكثير من الخبراء، يضعف التّدمير الجزئيّ لشبكة الدّفاع الجويّ الإيرانيّة قدرة طهران على تحصين منشآتها الحسّاسة، في حال محاولة لاختراق نوويّ. بعبارة أخرى، إذا مثّلت العتبة النوويّة الكامنة ضمانة النّظام الاستراتيجيّة القصوى، فإنّ بيئتها الحامية تآكلت بشكل ملحوظ.
ردع متصدّع، إنّما صامد
هل نستنتج أنّ إيران أصبحت مكشوفة بشكل كامل؟ يخفّف بعض المحلّلين من حدّة هذا الاستنتاج، إذ تحتفظ إيران بقدرات غير متماثلة مهمّة: شبكات ميليشيات إقليميّة، وطائرات مسيّرة بعيدة المدى، وقدرات سيبرانيّة، وعمق استراتيجيّ عبر حلفائها.
غير أنّ التّقارير الأمنيّة تتّفق على نقطة واحدة: يقلّص الجمع بين خسارة منصّات الإطلاق، وتدهور الدّفاعات الجويّة، وتكرار الضّربات على البنى التحتيّة اللوجستيّة، ولو مؤقّتًا، مصداقيّة الرّدع الباليستيّ الإيرانيّ.
وللمرّة الأولى، تتعرّض دولة، موصوفة بأنّها “على عتبة نوويّة”، لهجوم مستمرّ وملموس على بنيتها العسكريّة الاستراتيجيّة، على مرأى من المجتمع الدوليّ.




