السّفير الإيرانيّ: انتهاك جديد لسيادة الدولة اللبنانيّة

كتب Elie Ziadé لـ”Ici Beyrouth”:
“لن يمتثل السّفير الايرانيّ في لبنان لقرار السّلطات اللبنانيّة القاضي بطرده”.
بهذه العبارة المقتضبة، ورد الخبر فاتّضح مرّة جديدة أنّ النظام الإيراني، ومن خلال سفيره، يزدري بلبنان وبدولته.
ثمّة أزمات دبلوماسيّة، وثمّة لحظات تُنكر فيها الدبلوماسيّة حتّى. ويندرج ما جرى ضمن الفئة الثانيّة. فقد اتّخذ لبنان، عبر وزير خارجيّته، وبالتّنسيق مع رئيس الجمهوريّة ورئيس مجلس الوزراء، قرارًا سياديًّا لا لبس فيه: السّفير الايرانيّ شخص غير مرغوب فيه، وعليه أن يحزم أمتعته ويرحل.
لقد قالت الدولة كلمتها. كلمة متأخّرة نعم، إنّما المهمّ أنّها قيلت. فالدولة، بمؤسّساتها الرسميّة، والقانونيّة، والشرعيّة، قرّرت أخيرًا وضع حدّ لنفوذ أجنبيّ استشرى في جسد البلاد منذ عام 1982 على أقلّ تقدير.
غير أنّ سفير هذه الدولة الأجنبيّة يختار أن يتحدّى هذا القرار، لا بل يذهب إلى أبعد من ذلك، فيرفض الامتثال، بغطاء سياسيّ داخليّ، لا سيّما من حزب الله وحلفائه. والمعنى الصّريح: يُداس قرار الدولة اللبنانيّة علنًا على أرضها، لأنّ ميليشيا موازية للدولة، ومموّلة من النّظام عينه، قرّرت خلاف ذلك.
لا يشكّل هذا خلافًا دبلوماسيًّا عابرًا، بل إنّه إهانة موصوفة. إهانة تتجاوز في دلالاتها ما قيل يومًا عن سيطرة الحرس على أربع عواصم عربيّة، ومن بينها بيروت. وتتجاوز أيضًا مشهد إرسال الوقود الخاضع للعقوبات إلى لبنان، وسط تصفيق أمين عام حزب الله السّابق، حسن نصرالله، بعد أن استنزفت هذه الميليشيا خزائن الدولة عبر التّهريب إلى سوريا بشّار الأسد.
في أعراف العلاقات الدوليّة، القاعدة واضحة ولا تقبل التّأويل: عندما تعلن دولة ما بأنّ شخصيّة دبلوماسيّة “غير مرغوب فيها”، تغادر هذه الأخيرة على الفور. من دون أي تفاوض، ولا تلكّؤ، ولا شروط. ويشكّل أي رفض للامتثال إنكارًا صريحًا لسيادة الدولة المضيفة، وهذا بالضّبط ما يحدث اليوم في لبنان.
فالمسألة تتجاوز الشّخص إلى جوهر الرّسالة. فالرّفض هذا يعني أنّ قوّة أجنبيّة، أو من ينطق باسمها، تعتبر أنّها تملك حقّ مواجهة قرار رسميّ لبنانيّ من دون أن تتحمّل تبعات ذلك.
ولو أنّ النّظام الايرانيّ يكنّ احترامًا، ولو ضئيلًا، للدولة اللبنانيّة، لكان التزم القرار، واستدعى سفيره، وبادر إلى التّواصل مع الحكومة اللبنانيّة، وربما عيّن دبلوماسيًّا آخر خلفًا له. بتعبير آخر، لكان تعامل مع دولتنا على أساس النديّة الكاملة.
لكنّ النظام الإيراني لا يتعامل معنا كأنداد له، بل ينظر إلينا معنا كأتباع صغار، وكأدوات هامشيّة، وكوقود بشريّ لمدافع الحروب الّتي يشنّها بالوكالة. وقد ارتضى لبنان، لفترة طويلة، أن يُستباح، حتّى بات رهينة بيد حزب الله.
أمّا ما يحدث اليوم فيتخطّى كلّ الخطوط الحمراء. فسلطة دولتنا، الّتي طالما شكّلت موضع تشكيك داخليّ، تُستهدف جهارًا من الخارج.
في أي بلد أخرى، كان وضع مماثل ليستدعيَ ردًّا فوريًّا، من طرد قسري، أو قطع العلاقات الدبلوماسيّة، أو ربّما إجراءات انتقاميّة. أمّا في لبنان، وحتّى لحظة كتابة هذه السّطور، فما من أثر لأي موقف رسميّ.
وهنا تكمن المسألة الجوهريّة: ما هي خطوات الدولة التّالية؟ وماذا سيبقى من سلطة هذه الدولة ومن هيبتها في حال عجزت عن تنفيذ قرار مصيريّ بهذا الحجم، لطرد دبلوماسيّ؟
تقف الحكومة اليوم أمام اختبار جديد. فمنذ تشكيلها في شباط 2025، لم تُثبت قدرتها على مقاربة الملفّات المصيريّة، وفي مقدّمها فرض احتكار السّلاح الشرعيّ على كامل الأراضي اللبنانيّة، عبر نزع سلاح حزب الله.
لا تواجه الدولة اللبنانيّة، ولبنان، منذ صباح اليوم، مجرّد أزمة دبلوماسيّة عابرة، بل يواجهان اختبارًا.
وحتّى اللّحظة، يبدو أنّنا في صدد الرّسوب فيه.
مواضيع ذات صلة :
ترامب: مجتبى خامنئي على قيد الحياة لكن حالته سيئة | جعجع للخارجية الإيرانية: مخالفة قرارات الحكومة اللبنانية ليست بطولة | بيسنت: الولايات المتحدة ستسيطر على مضيق هرمز |




