في لبنان: الحرب في عقر دارنا والبقاء وسط الشكوك

كتبت Bélinda Ibrahim لـ”Ici Beyrouth”:
في غياب الدولة، تصبح اليقظة شأنًا شخصيًّا. وفي لبنان، تحوّل الحرب المدنيّين إلى مترصّدين رغمًا عنهم، مُكرهين على المراقبة، والإبلاغ، والارتياب. وبين خوف منتشر، واستراتيجيّات بقاء، وانعدام ثقة معمّم، تتجذّر ثقافة الوشاية. فإلى أيّ مدى يمكن المضيّ في حماية الذّات من دون الانزلاق إلى الشكّ الشّامل وتفكّك الرّوابط الاجتماعيّة؟
في لبنان، يتعدّى الأمر مجرّد التّعايش مع الحرب، ليصبح العيش في داخلها، حتّى في أكثر زواياها حميميّة. في المباني، وفي الشّوارع، وفي الأحياء المصنّفة “آمنة”، يتسرّب شكلٌ آخر من التوتّر، أكثر انتشارًا لكنّه لا يقلّ ثقلًا: توتّر اليقظة الدّائمة.
منذ استئناف الأعمال العدائيّة، طرأ تحوّل عميق. لم يعد المدنيّون مجرّد ضحايا محتملين، بل غدوْا أطرافًا مُكرهين ضمن منظومة مراقبة غير رسميّة. مجموعات واتساب للمحيط السكنيّ، وإنذارات متلاحقة، ورسائل تحذيريّة: تتدفّق المعلومات بسرعة، غالبًا من دون تمحيص، وأحيانًا من دون التحقّق منها. ومع كلّ صوت غير مألوف، وكلّ مركبة مريبة، وكلّ وجه غريب، يُطرَح السّؤال: هل علينا الإبلاغ؟
اتّخذت هذه الدّعوة إلى اليقظة طابعًا شبه مؤسساتيّ. ففي بعض الأحياء، يتم تداول رسائل بنبرة أقرب إلى التّعليمات الرسميّة: الإبلاغ الفوريّ عن أيّ وجود مشبوه، وتدوين أرقام السيّارات غير المعروفة، ومراقبة التحرّكات الليليّة، والتعرّف إلى الوافدين الجدد. وتشير بعض المعطيات إلى مركبات تُركن ليلًا، وينام ركّابها في داخلها ثمّ يغادرون فجرًا. بينما تشدّد أخرى على ضرورة التحقّق من المستأجرين، وتسجيل الهويّات، وضبط عدد القاطنين، بل وحتّى الزّائرين.
تُفرض قواعد جديدة، من دون أن تكون قد صيغت أو أُقرّت بصورة فعليّة. فالإبلاغ وحده لا يكفي، وغالبًا لا يغيّر شيئًا. ثمّة من يدّعي أنّه “محميّ”، ويتصرّف على هذا الأساس، في منأى شبه كامل عن المساءلة.
ويستقرّ بعض الأفراد مؤقّتًا في الكثير من المناطق المصنّفة أكثر أمانًا، حيث يستأجرون شققًا، أو يستولون عليها، مستخدمين هويّات مزيّفة أحيانًا، وبتواطؤ بعض المالكين المتساهلين في أحيان أخرى. ويصل آخرون بسيّاراتهم، ويركنونها، ويمضون اللّيل، ثمّ يغادرون مع الفجر. حضورٌ متفلّت، عصيّ على التّحديد، وأصعب حتّى في المواجهة.
وعندما يُرصَدون، تتعقّد الأمور سريعًا وتغدو شديدة الحساسية. فالّذين “يفرضون أنفسهم” لا يفعلون ذلك دائمًا في صمت سلبيّ؛ إذ يبقى التّهديد، الصّريح أو الضمنيّ، حاضرًا في الخلفيّة. وفي مثل هذه الظّروف، يبدو التدخّل أقرب إلى المستحيل. يتردّد السكّان، ويتراجعون، ويقدّرون المخاطر. هنا، لا تعود الوشاية فعلًا بطوليًّا، بل رهانًا مفتوحًا على المجهول.
دروع بشريّة رغمًا عنهم
في هذا السّياق، هناك حقيقة أشدّ إرباكًا تفرض نفسها: حقيقة أنّ السكّان تحوّلوا، عمليًّا، إلى مجموعة من الدّروع البشريّة. ليس بالمعنى الاستعراضيّ للكلمة، بل في دلالة أكثر خفاء وتعقيدًا. فمع امتزاج بعض الفاعلين في النّسيج المدنيّ، واحتمائهم به، وتنقّلهم فيه، ينقلون الخطر إلى قلب الفضاءات المفترض أنّها آمنة.
لا يملك السكّان، من جهتهم، الوسائل للاعتراض بشكل فعليّ، ولا القدرة على ذلك. فهم يتلقّوْن الواقع كما هو، ويراقبون، ويبلّغون أحيانًا، لكنّهم يبقون معرّضين.
يكاد لا يمرّ يوم من دون أن تُضاف حادثة جديدة إلى هذا التوتّر: يُبلَّغ عن اشتباه في مبنى ما، أو عن مركبة مركونة لفترة طويلة، أو عن زائر غير مرغوب فيه. ما من شيء استثنائيّ في الظّاهر، لكنّها تراكمات من مؤشّرات صغيرة تبقي على حالة الاستنفار الدّائم.
يخلّف هذا الوضع أثرًا نفسيًّا عميقًا. فالمسكن، الّذي شكّل يومًا ملاذًا، يفقد تدريجيًّا وظيفته الوقائيّة. والحيّ، الّذي يُفترض أن يؤمّن قدرًا من الاطمئنان، يتحوّل إلى فضاء من عدم اليقين. وقد يُعتبر أي حضور غريب كتهديد محتمل. وهكذا تترسّخ الشّكوك، ببطء، إنّما بثبات.
وتغدو المجموعات في المحيط السكنيّ أدوات بوجهيْن. فمن جهة، تتيح تبادل المعلومات، وطمأنة السكّان، والحفاظ على قدر من الإحساس بالسّيطرة. ومن جهة أخرى، تُضخّم المخاوف، وتبثّ الشّائعات، وتغذّي شكلًا من أشكال الهلع الجماعيّ. وهنا، بات الحدّ الفاصل بين الحذر والوسواس واهيًا.
في هذا المناخ، لم يعدِ النّوم فعلًا عاديًّا. ففي اللّيل، على وجه الخصوص، يزداد القلق: من يتنقّل؟ ومن يصل؟ ومن يغادر؟ وتكتسب الأصوات بعدًا آخر. وتثير أي حركة بسيطة الرّيبة. ويبقى الذّهن في حالة استنفار، ويعجز عن الاسترخاء الكامل.
ولكن، كم من الوقت يمكننا المضيّ على هذا النحو؟
يعيش السكّان حالة انتظار مزدوجة، معلّقين بين الإشعارات، والرّسائل، والتّنبيهات: انتظار الضّربة، وانتظار الحضور الّذي قد يتسبّب بها. لم تعدِ السّماء مصدر الخطر فحسب. قد يكون الخطر هنا، عند زاوية الشّارع، أو في السّيارة المركونة في الأسفل، أو في الشقّة المجاورة.
على الصّعيد الأخلاقيّ، يطرح التّبليغ في زمن الحرب مشكلة كلاسيكيّة، لكنّها أكثر حدّة هنا. فالإبلاغ عن وجود مشبوه قد يندرج ضمن منطق الدّفاع عن النّفس، لكنّه قد يفضي أيضًا إلى عواقب وخيمة على الأشخاص المعنيّين، خصوصًا في سياق تكون فيه المعطيات مجتزأة، والنّوايا عصيّة على التثبّت. وهنا يصبح الوقوع في الخطأ حقيقيّ، كذلك خطر التّلاعب.
وبين حماية الذّات والمسؤوليّة تجاه الآخر، يبقى التّوازن هشًّا. وقد يقود الإفراط في اليقظة إلى تجاوزات، كما قد يؤدّي انعدام اليقظة إلى مخاطر حقيقيّة. يتحرّك كل فرد على غير هدى، من دون إطار واضح، ومن دون ضمانة صحّة التّقدير.
مع ذلك، يبدو أنّ الخيار يتآكل بشكل تدريجيّ. ففي ظلّ تعثّر الدولة، يسعى كلّ فرد إلى ضمان بقائه. ويغدو النّظر إلى الآخر بريبة ردّة فعل شبه تلقائيّة، تفرضها الضّرورة.
ولعلّ هذا هو التحوّل الأعمق: حين تفرض الحرب، يومًا بعد يوم، نمط عيش يقوم على ترقّب الخطر بشكل دائم، وفي كلّ مكان.
مواضيع ذات صلة :
الزّراعة اللبنانيّة في زمن الحرب: الجنوب في قلب الصّدمة | واشنطن: المحادثات المباشرة هي نتيجة لأفعال “الحزب”! | سلوم: هل للبنان الهشّ القدرة على التحمل؟! |




