لبنان وإسرائيل: واشنطن والفصل الأوّل

ترجمة هنا لبنان 16 نيسان, 2026

 

كتب مارك سيقلي لـ “Ici Beyrouth”:

كلّنا نتذكّر لحظة مشاهدة فيلم ما، وشعورنا بأنّ أحداثه مألوفة، لكنّنا لم نعد نذكر شيئًا عن نهايته. هذا بالضّبط ما حدث يوم الثلاثاء في الولايات المتّحدة. الصّورة بحدّ ذاتها حملت طابعًا تاريخيًّا. سفيرا لبنان وإسرائيل، ووزير الخارجيّة الأميركيّ يجلسون وجهًا لوجه لمناقشة مستقبل لبنان، وعلاقاته مع إسرائيل، والسّلام. وهذا وحده انتصار بحدّ ذاته. ها هو لبنان يكسر وصاية طهران عبر فتح مفاوضات مباشرة مع إسرائيل.

لا ينبغي الاستهانة بالتحوّل الّذي شهده يوم الثلاثاء، بين ما يجري في لبنان وما يجري في المنطقة. وكيف رأى الإيرانيّون بأمّ العين رهينتهم الّتي أمسكوا بها منذ الثمانينيّات، تفلت من أيديهم.

ومنذ بدء وقف إطلاق النّار الممتدّ على فترة 14 يومًا بين واشنطن وطهران، لم يعد اسم لبنان يتردّد في خطاب إيران، رغم استمرار المعارك هناك. والرّاعي الفارسيّ الّذي دفع بحزب الله إلى الحرب، تخلّى عنه ببساطة.

شكّل صدور بيان مشترك بين الولايات المتّحدة، ولبنان، وإسرائيل، بحدّ ذاته، إشارة إيجابيّة. إذ دلّ على أنّ الدول الثّلاث باتت على الموجة عينها، في ما يتعلّق بنزع سلاح الميليشيات غير الشرعيّة، وبتوقّف لبنان عن كونه منصة تنطلق منها حروب الآخرين.

بطبيعة الحال، يبقى السلام بعيدًا، لكنّه أصبح حاضرًا في الأذهان، وهذا وحده خطوة كبيرة. ويوم الثلاثاء في واشنطن، انطلقت ديناميّة جديدة تحمل في جعبتها الأمل.

لكنّ الطّريق مليء بالعقبات. وتتمثّل أولى العقبات وأكبرها في ردّة فعل حزب الله، الذي استشاط غضبًا في لحظة التقاط تلك الصّورة، وأطلق عشرات الصّواريخ باتّجاه إسرائيل. غير أنّ هذا التّصعيد كان متوقّعًا.

ستكون الأيّام المقبلة حاسمة. إذ قد يغري حزب الله، العاجز أمام الإسرائيليّين خلافًا لما يدّعي، توجيه ضرباته إلى الدّاخل، وإلى أبناء وطنه، وإلى بيروت بالذّات…

لكنّ ردّة الفعل هذه كانت متوقّعة إلى حدّ كبير، حتّى أنّ استباق الدولة لها ليس مستبعدًا. على أي حال، لا بدّ من أن نرجوَ ذلك!

ثمّ هناك الخطاب، أو بالأحرى الدّعاية القائمة على قلب الحقائق. فمَن يسعى إلى السّلام هو خائن، ومَن ينتقد الميليشيا هو “عميل إسرائيليّ”. أمّا من أغرق لبنان، بأوامر من طهران، في أتون الموت، والتّهجير، والدّمار، فـ… “وطنيّ حقيقيّ”!!! كان لا بدّ من التجرّؤ على قول ذلك، ولكن كلّما ازدادت الكذبة حجمًا، مرّت بسهولة أكبر. ناهيك عن السّرد غير المعقول الّذي يصرّ على إعلان النّصر رغم كلّ ما نشهده على الأرض. وهذا، للأسف، اعتدنا عليه أيضًا.

ولكن، هل ثمّة من يصدّق هذه الأباطيل حتّى الآن؟ هذا ما يبدو. فالبعض ممّن خضعوا لغسل دماغ طوال سبعة وأربعين عامًا من الأساطير، يصدّقون جميع الرّوايات السّخيفة.

بعد أن اعتاد على التحفّظ، خطا الاتّحاد الأوروبيّ هذا الأربعاء خطوة إضافيّة عندما اعتبر حزب الله “تهديدًا وجوديًّا” للبنان. وعندما تتكلّم بروكسل في العلن عمّا يعيشه اللبنانيّون منذ زمن، تتحوّل عزلة الميليشيا غير الشرعيّة إلى عزلة عالميّة.

لقد اتّخذ لبنان منعطف السّيادة الحقيقيّة. وها هو يسلك أخيرًا طريقًا مختلفًا عن المسار المميت المرسوم من طهران.

في غضون أيّام، من المرجّح أن تبدأ جولة جديدة من المفاوضات بين الولايات المتّحدة وإيران. ولا ينبغي، بل لا يجوز على الإطلاق، أن يستغلّ الفرس هذا المنعطف ليعيدونا إلى نقطة البداية.

قال تشرشل: “هذه ليست النّهاية، ولا حتّى بداية النّهاية، لكنّها ربّما تكون نهاية البداية”.

ها نحن في قلب المرحلة.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us